الأحد، 14 سبتمبر 2014

وقع عليك الحب

الحب ليس بالأعمى كما يقال وليس بالغر الساذج الغافل عما أمامه فالحب أن ترى عيوبه وتقرر البقاء.. وتتمسك بيده.. وتهمس له بأنك باقٍ ما بقي الدهر مُحبٍ ما استمر نهر العمر في الجريان.. ليس أعمى وإنما هو أكثر ملاحظةً وأدقّ رؤيةً وأجمل بصيرةً من عين الإنسان.. أوضح تلويناً وأعذب تصويراً.. بل هو أيضاً يرى الصوت ويسمع الشكل ويتذوق الرائحة.. هو تمرّدٌ لبقٌ وحلوٌ على قوانين العالم والطبيعة.. وحين يختارك قلب فهو اختارك لهذا التميز الفريد.. فهو يسحبك لهذا التمرّد العذب.. فهو يسألك برجاءٍ أن تمزق عهود الدنيا البائدة وتبدأ عهداً غير مألوفٍ معه.. وما إن تقبل يا رفيق فأنت وقع عليك الحب..!
فلتنسَ ذاتك الماضية ولتمزق دفاترك القديمة وتعال لتطمس مرآتك فما عاد لك من مرآة سوى عيون حبيبك تراه منها فتراك فيها.. فأنت لم تعد أنت كما كنت.. فانظر نظرة متمعنة متفحصة إلى نفسك.. إلى ذلك الجسد الذي سكنته زوجاً من سنين العمر أو فرادى.. انظر إليه كيف يُنظر إليه.. فهل رأيت في لمعة عيونك مرةً ما رآها فيها مُحبك؟ هل فكرت لوهلة قط أن تكون تلك اللمعة الرائقة أسمى أحلام أحدهم أن يجلس إليك متمعناً فيها غارقاً لأذنيه في تلاقيها مع عينيه؟ وهل استمعت يوماً لنبض قلبٍ ارتجف واضطرب لحظات مراقبة صدرك يعلو ويهبط بأنفاسك!! ذلك التنفس الذي ما انتبهت يوماً له ولا فكرت أن تراقبه يتردد داخلك فإذا بقلب عاشق لك يلحظه ويرقبه بل ويتناغم نبضه مع ارتفاع صدرك ثم تتوالى نبضة مضطربة مع انخفاضه.. عروق ذراعك البارزة لعلك لم تتمعن بها يوماً فإذا بأنامل تحترق شوقاً لتتلمسها وتتبع انحناءاتها بحبٍ جارف.. ربما لم تلحظ قط حلاوة عينيها من خلف منظارها الطبي لكن عيوناً متلهفةً رصدتها عرفت فيها جمالاً لم تألفه في بنات البشر.. وغيرها مما تعبق به أجسادنا من تفاصيل نراها غريبة كوحمة صغيرة.. جرح قديم..حسنة سوداء صغيرة..  كشفاه ممتلئة.. وجنة مشبعة بالحمرة.. شعر طويل.. قميص غير مهندم.. زر مفتوح.. لمسة إهمال طفولية.. نظرة حيرة.. لمسة مرتبكة.. ضحكة حيية.. اختلاس نظرة لمحبوبه.. حتى التفاصيل المضحكة المحرجة منك تجدها دافئةً لذيذةً في قلبه.. لو نظرت بتمعن لنفسك بعينيه لرأيت فيهما كل ذلك.. لعرفت منه ما يريد أن يفعل بكل ذلك منك.. لوددت بشوق أن تجعل عينيه تخبرك أكثر كيف يحبك هو.. لوقف قلبك عن الخفقان حين تعلم أن ذلك كله أحصاه منك في نظرة.. عشقه منك في لمحة.. لأحب ذلك وأحبه وأحبه قبل أن يتبادل معك كلمةً واحدة! قبل أن يصرف -جبراً- جزء من روحه عن تلك الأشياء ويدفعها داخلك لتلتحم بروحك.. دع نفسك القديمة وانظر إليها عبر فؤاد من أَحبّك يامن وقع عليك الحب.

غفران حبيب
14/9/2014

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

حرية مشروطة

"لا تستغرب كثيراً حين تمد يدك بكسرة خبز إلى طير صغير فتراه يولي هارباً فالحرية عنده أثمن من الطعام"
و "لا يبني العصفور في القفص عشاً حتى لا يورث ابنه العبودية"
هكذا نرى ونسمع ونقرأ وهكذا يتبادر إلى أذهاننا لحظة سماع لفظة الحرية.. جبراً وقصراً رغماً عني وعنك فالحرية طائر يحلق دوماً في جوانب الرأس لكل كائن حي ولكنه دوماً متخبط متعثر داخل الجماجم البشرية.. الحرية لا تُعلم ولا تُلقن وإنما هي شرعة للإنسان ومذهب.. بيت صغيرٌ تحتمي فيه إنسانيته.. ليست فكرة وإنما هي المنبع.. الحرية مطلقة وإطلاقها لا تعارض فيه مع الدين والأخلاق فالإنسان حين يولد يكون مفطوراً على مذهب واحد وهو الإسلام والإسلام حرية لكن الحرية باتت مشروطة.. مقُودة .. باتت حبلاً مرتخياً والعبودية حبل مشدود!! فيظن الحر نفسه حراً لكنه لو نظر مرة بتمعن لعنقه لوجد قيداً متصلاً بحبل مرتخي تقبض يد في الناحية الأخرى على طرفه ترخيه كيفما شاءت وتجذبه كيفما تشاء.. ترخيه طالما نطاق الحرية الذي يتحرك فيه يخضع لرضاها وتجذبه حين تسخط.. وكلما زاد جهل الإنسان وخضوعه زادت شدة القبضة وتمكنها وباتت تجذب الحبل لحظات السخط والملل.. تجذبه ترويضاً وتسلية.. تجذبه تجبراً وتمتعاً.. وكلما ازداد الإنسان بصيرة وازداد العقل تفتحاً كلما توترت القبضة المسيطرة.. كلما تحفزت وزادت من عدد جذباتها قلقاً لا متعةً وخوفاً لا تسليةً .. والإنسان متفتح البصيرة الذي يرى الحبل الخارج من عنقه يقع في فخ الحيرة فلا يدري للحظات أهو محظوظ أم منكوب.. أكان التفتح اختياراً صائباً أم باباً يُفتح على رأسه من أبواب الجحيم.. ومازاده ذلك إلا مشقة وعناء.. أكان يفضل أن يعيش بلا بصيرة تلمح بين الفينة والأخرى القيد الدامي في عنقه.. تصيبه لحظات ينظر فيها بحنق لأطلال الكتب التي كانت السبب في ذلك.. يبادر بالنظرات الحارقة الحانقة لعقله الذي يتململ مكانه يأبى إلا التحرر فاتحاً على نفسه وصاحبه ما قد لا يطيق.. بعين ارتفعت عنها حجب الجهل والعبودية يرمق الحبال الكثيفة التي تكالبت عليه.. يعلم جيداً أنه أرهق القبضة التي استعبدته يوماً.. يدري أن كل كتاب جديد وكل لحظة تأمل عميقة ماهي إلا زلزلة رعب لدى شارطي الحرية وكل زلزلة يعقبها حبل جديد وكل فكرة تتعقبها قيود جديدة.. يرى نفسه وحشاً هائجاً مائجاً في عيونهم.. اختلفت القبضة وكثرت الحبال لكن القيد واحد ويؤلمه..  قبضة من مجتمع وقبضة من جهل وقبضة من خزعبلات وقبضة من حكام ورؤساء.. قبضة من رئيسه في العمل وقبضة من زوجها.. قبضة بشرية وقبضة روحية وقبضة مادية.. ولا يفيد تلوي الجسد ولا تململ العقل سوى تحرر الألم من سيطرة المسكن.. الحرية المشروطة جعلت الثقافة والفكر والتفتح دراية بالقيد وزيادته والدراية منتصف الطريق.. الهاوية الجاثمة على باب الحرية وكم من كثير وكثير سقطوا فيها.. كم من ألم أعيا عقولاً وأجبرها على العودة للقبضة الأولى.. كم من أجساد فضلت العودة للقيد الوحيد المرتخي على أن تجثم بين ملايين القيود المدمية.. وقلة هم قلة من عبروا الهاوية وتمزقت قيودهم.. قلة من عاشوا بلا قيود.. أو فلنقل ماتوا وقُتلوا فالحر في هذا العالم مصيره القبر طالما تمرّد..!
ويبقى الاختيار بين حياة في العبودية وموت بالحرية لكن الحياة بالحرية صارت أسطورة لا تُعاش
In the world of slavery I'm a monster
والوحوش لا يُسمح لها بأن ترتع حرة بهذا العالم

غفران حبيب
7/9/2014