الحب ليس بالأعمى كما يقال وليس بالغر الساذج الغافل عما أمامه فالحب أن ترى عيوبه وتقرر البقاء.. وتتمسك بيده.. وتهمس له بأنك باقٍ ما بقي الدهر مُحبٍ ما استمر نهر العمر في الجريان.. ليس أعمى وإنما هو أكثر ملاحظةً وأدقّ رؤيةً وأجمل بصيرةً من عين الإنسان.. أوضح تلويناً وأعذب تصويراً.. بل هو أيضاً يرى الصوت ويسمع الشكل ويتذوق الرائحة.. هو تمرّدٌ لبقٌ وحلوٌ على قوانين العالم والطبيعة.. وحين يختارك قلب فهو اختارك لهذا التميز الفريد.. فهو يسحبك لهذا التمرّد العذب.. فهو يسألك برجاءٍ أن تمزق عهود الدنيا البائدة وتبدأ عهداً غير مألوفٍ معه.. وما إن تقبل يا رفيق فأنت وقع عليك الحب..!
فلتنسَ ذاتك الماضية ولتمزق دفاترك القديمة وتعال لتطمس مرآتك فما عاد لك من مرآة سوى عيون حبيبك تراه منها فتراك فيها.. فأنت لم تعد أنت كما كنت.. فانظر نظرة متمعنة متفحصة إلى نفسك.. إلى ذلك الجسد الذي سكنته زوجاً من سنين العمر أو فرادى.. انظر إليه كيف يُنظر إليه.. فهل رأيت في لمعة عيونك مرةً ما رآها فيها مُحبك؟ هل فكرت لوهلة قط أن تكون تلك اللمعة الرائقة أسمى أحلام أحدهم أن يجلس إليك متمعناً فيها غارقاً لأذنيه في تلاقيها مع عينيه؟ وهل استمعت يوماً لنبض قلبٍ ارتجف واضطرب لحظات مراقبة صدرك يعلو ويهبط بأنفاسك!! ذلك التنفس الذي ما انتبهت يوماً له ولا فكرت أن تراقبه يتردد داخلك فإذا بقلب عاشق لك يلحظه ويرقبه بل ويتناغم نبضه مع ارتفاع صدرك ثم تتوالى نبضة مضطربة مع انخفاضه.. عروق ذراعك البارزة لعلك لم تتمعن بها يوماً فإذا بأنامل تحترق شوقاً لتتلمسها وتتبع انحناءاتها بحبٍ جارف.. ربما لم تلحظ قط حلاوة عينيها من خلف منظارها الطبي لكن عيوناً متلهفةً رصدتها عرفت فيها جمالاً لم تألفه في بنات البشر.. وغيرها مما تعبق به أجسادنا من تفاصيل نراها غريبة كوحمة صغيرة.. جرح قديم..حسنة سوداء صغيرة.. كشفاه ممتلئة.. وجنة مشبعة بالحمرة.. شعر طويل.. قميص غير مهندم.. زر مفتوح.. لمسة إهمال طفولية.. نظرة حيرة.. لمسة مرتبكة.. ضحكة حيية.. اختلاس نظرة لمحبوبه.. حتى التفاصيل المضحكة المحرجة منك تجدها دافئةً لذيذةً في قلبه.. لو نظرت بتمعن لنفسك بعينيه لرأيت فيهما كل ذلك.. لعرفت منه ما يريد أن يفعل بكل ذلك منك.. لوددت بشوق أن تجعل عينيه تخبرك أكثر كيف يحبك هو.. لوقف قلبك عن الخفقان حين تعلم أن ذلك كله أحصاه منك في نظرة.. عشقه منك في لمحة.. لأحب ذلك وأحبه وأحبه قبل أن يتبادل معك كلمةً واحدة! قبل أن يصرف -جبراً- جزء من روحه عن تلك الأشياء ويدفعها داخلك لتلتحم بروحك.. دع نفسك القديمة وانظر إليها عبر فؤاد من أَحبّك يامن وقع عليك الحب.
غفران حبيب
14/9/2014