الأربعاء، 1 أبريل 2015

انتهى



الظلام التام المحيط عاكسًا في حناياه القادم الذي لا تنبؤ القيود بسواه هو ما يراه.. بالأدق هو ما يشعر به فالرؤية لم تعد متاحةً له.. ينتظر بفارغ الصبر أن تهمس له ذاكرته بما حدث.. يخبره قلبه أن صوت الذاكرة هو الصوت الوحيد الحاني المألوف الذي سيسمعه من الآن فصاعدًا فليستدعه إذن فالوحشة تملأ جوانبه بالظلمة ممتدة الأذرع لعنقه وجسده بل حتى لروحه تحبسها بين براثنها.. ألهمه ذلك ألهمته المخالب الحادة الممسكة بتلابيب روحه مدميةً أطرافها الهشة.. لكن لسانه مكبلٌ أيضًا هكذا همست له مشفقةً في أعماقه وشعلتها تتقد بوهن في أعماقه.. آنسهُ صوت الذاكرة رغم الوهن تلهف فباحت له بمكنونها .. " صَوْتُكَ مُختَطفٌ باسْمِ الأصَالَةِ أيُّهَا الحَرْف.."
اعترض بغير أن يُسمع له صوتٌ يُذكر جاء الاعتراض فراغًا صاخبًا بالصمت جاءت محاولاته للتملص من القيد قيدًا جديدًا.. انسحب من داخله خارجًا رغمًا عنه لما حوله.. لا يستطيع سوى أن يسمع.. بعين الخيال.. يرى مائدةً تراها أذنه على بعدٍ منه افترشتها الأوراق تلاطفها الأقلام.. كاد الحنين أن يزلزله لها لكن البقية حولت حنينه لكراهيةٍ شرسة.. الجلادون يحيطون بالمائدة يحملون تلك الأقلام انتبه الآن إلى أنها تثخن الأوراق جراحًا لا تلاطفها! تناهى إليه الأنين الخافت المتصل بالأنين داخله.. كانت جراح الورق تتشكل لأذنه بأصواتٍ لم تعرف يومًا كيف تتحدث عن تلك الجراح كان ذلك يمزقه كان كل جرحٍ يترك الورق ليستقر فيه.. بعد برهة صمتٍ تلامس أصابعه الورق الهامد بلا حياةٍ سارقةً بصماته عنوة.. تغادر الأقدام حاملةً الجثة الملطخة بدمائه قلبًا حاملةً اسمه كذبًا وتنتشر في ذلك الخارج البعيد عنه مضمومةً بين دفتين تفتري عليه ما لم يرتكب يومًا..
تعاقبت الشموس والأقمار لا يرى ذهبية تلك ولا فضية ذاك تلسع الألسنة وأنين الأوراق جسده بأسواطها صباح مساء حتى أرهقه التعذيب.. لم يعد يقاوم لم يعد يصرخ بصمتٍ لم يعد جسده الهامد الآن يتلوى متملصًا.. كأنها كانت ساعة الصفر! تُركت الأوراق والأقلام وأحاط الجلادون به.. فكوا قيد يده ولامست أصابعها قلمًا باردًا بلا إحساس.. "وَقِّع!" زمجروا به.. حاولَ.. حاول ثانيةً.. أرهقته المحاولة وهو يبحث عن شعلة ذاكرته المنطفئة بلا جدوى.. عجز.. لم يعد الحرف يذكر كيف يوقع.. سقط القلم.
انتهى

غفران حبيب
1/4/2015