السبت، 27 أبريل 2013

بائع المناديل



استيقظ في الصباح الباكر ورفع عينيه إلى السماء فرأى ذلك المشهد الذي عشقه كثيرا, آثار ليلة ماضية حافلة تتسامر فيها النجمات على ألحان القمر, وبعد تلك الليلة الطويلة تستيقظ الشمس في سطوة وقوة ,لكنها رغم ذلك طيبة فهي لا تظهر فجأة لتحرق أبصارهم وتعمي قمرهم .. بل ترسل أشعة رقيقة ناعمة فينسحب القمر في حياء وتتوارى احتراما لها النجمات , عندها تظهر وتسطو على السماء ,تطرق أشعتها أبواب النائمين وتتسلل بين نوافذهم ولكنه كان دائما ما يستيقظ قبلها, يودع القمر ثم يبتسم تحية لها, فتكشف ابتسامته عن أسنان صفراء نخرة سقط بعضها وبقي الآخر ينتظر مصيره الآيل للسقوط, نهض وحمل كيسا خيشيا خشنا افترشه ليلا كوسادة ,أخذ يسير ببطء وتؤدة حذاؤه المتهالك يزداد تهالكا ما بين خشونة الأرض وقدمه الغليظة تتراكم عليها أطنان من جلد خشن ميت صار خفا ثانيا لها, ظل سائرا إلى أن وصل إلى شارع عام , جلس على جانب الطريق ينتظر امتلاء الشارع بالناس مراقبا الشارع الهادئ , يرى بعض الطلاب بزي رسمي حاملين حقائبهم بنشاط متجهين إلى المدرسة وبعضهم الآخر سار نصف نائم فاتحا إحدى عينيه ومغلقا الأخرى ولا يفيق إلا عندما يرتطم بأحد الأعمدة, يبتسم مشفقا على حال هذه الدنيا! ينقل عينيه إلى طفلة تعلقت بيد والدتها تحمل حقيبة على ظهرها رُسمت عليها زهور وفراشات حالمة كأحلام الصباح الندي, شعر بمن يدس شيئا في يده, نظر إلى القطعة النقدية .. بتلقائية أدخل يده في الكيس الخيشي وأخرج علبة مناديل صغيرة, وضعها في يد الفتى, نظر إليه الفتى بدهشة فبادله النظر بابتسامة صافية قائلا:"أنا لا أشحذ هنا يا بني بل أبيع المناديل لأكسب رزقي" 

ضغطت يد الفتى على العلبة الصغيرة وقربها إلى صدره لا إراديا كأنها شيء ثمين وعيناه ترصدان شعر الرجل المشتعل شيبا ولحيته البيضاء الطويلة, جر قدميه بعيدا وعلامات الدهشة ما تزال محفورة على وجهه, لم يتضايق الرجل فقد اعتاد هذا الموقف وخصوصا من هؤلاء الصغار الذين يفتحون باب الحياة ببطء لتتسلل رؤوسهم الصغيرة من خلفه بحذر ,بدأ الشارع يزدحم بالمارة والسيارات, تحامل واقفا على قدميه وأخرج ثلاث علب صغيره أمسكها بيده وأخذ يعرضها على المارة بهدوء مرسوم على وجهه كمن آمن بأن رزقه بيدي خالقه وليس بأيدي هؤلاء الناس وهو حتما لن ينام جائعا, لم تضايقه ردود أفعال الناس المختلفة لعرضه البريء فالبعض كان يتجاهله والبعض يبتاع منه ولم يخل الأمر من السخرية التي يطلقها شباب مستهتر من وقت إلى آخر أو أحد المارة العصبيين الذي يفرغ جام غضبه على رجل لم يفعل شيئا سوى انه يبيع المناديل! ولم تهمه تلك النظرات المشفقة التي تسيل من عيون البعض وهم يتأملون أسماله البالية عديمة الملامح مجهولة الألوان, كانت تلك حاله حتى ودعته الشمس فودعها, وتواعدا على لقاء جديد في اليوم التالي, حمل كيسه ومضى, وقف أمام أحد المحال وأخرج ما بجيبه من قطع قليلة جمعها من بيع المناديل في ذلك اليوم, دخل ناقدا البائع كل ما يملك مقابل ما يقيم أوده, في زقاق مظلم بمدخل إحدى البنايات المهجورة يلتف بتلك البطانية التي وجدها ذات يوم ملقاة في مدخل الزقاق, صحيح أنها مرقعة ,مليئة بالثقوب والنار تترك وشما أسود بأحد أطرافها إلا أنها تقيه البرد الذي يعصف ليلا ويجمد العظام, أشعل نارا صغيرة وأخرج طعامه الذي لا يشبع جوع طفل, شعر بجسد دافئ طري على فخذه, نظر إليها مرحبا في سرور فماءت له تبادله حبورا بحبور ,وما لبث أن اجتمعت حوله مجموعة كبيرة من القطط تأنس بصحبته وتدفأ بناره وتشاركه طعامه, ماله من الطعام سوى بضع كسرات لاتسمن ولا تغني من جوع فإذا به يقتسمها مع تلك الأرواح الصغيرة المستكينة لنيرانه الخافتة متدثرة بالأمن الذي تحسه بجواره, تتكوم أجسادها الفرائية الناعمة من حوله تضيف إليه دفئا قدر ما تستمده منه فيرى أطياف النعاس تبرق بكسل في عيونها المتلألأة على ضوء النيران, 

في اليوم التالي لم تخلف الشمس موعدها لكنه على غير عادته أخلفه! حاولت مداعبة أجفانه بأشعتها لكنه لم يحرك ساكنا, استحت أن تلهب وجهه بحرارتها لكنه لا يستيقظ! أفاقت الهررة وتعالت قرقرتها بأذنيه, تمسح رؤوسها بوجهه, تحاول تحريك جسده الهامد بلا جدوى, تدور حوله بخوف ,تحاول إيقاظه بشتى الطرق وهل لموائها الضعيف حيلة فما يصنع بكاء قلب هرة في جسد بارد غادره الدفء للأبد؟ جن الليل, واجتمعت في الظلام عيون لامعة مترقبة بأمل, لكنهم لم يجدوا لا طعاما ولا جسدا دافئا ولا نارا مشتعلة, بل روحا مغادرة وقلبا ساكنا وليلا باردا, وككل ليلة التفوا حوله يحتوون برودة الموت بأجسادهم الضئيلة بانتظار أن يستيقظ على موعده مع الشمس في اليوم التالي. 

بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))


هناك تعليق واحد: