الخميس، 19 سبتمبر 2013

شبح المطر

للحظة أضاءت الدنيا بذاك السوط الابيض الذي شق عنان السماء, صوت هزيم الرعد يصعق أذنيك, السحاب يتصادم بقوة كصراع بين الجبابرة, تكاد السماء تتساقط هشيما على رؤوسنا من تلك المعركة المشتعلة بقلبها, تضئ مرة اخرى متجاوزة بضياءها حرمة الظلام, عابرة حدود النوافذ والجدران, على تلك النافذة الغارقة في السواد ومن خلفها جثم بثقله الظلام, ظلام يبتلع جسدا هشا بارد الأطراف, خانقا بكثافة سواده تردد الأنفاس, مازال السحاب يتصارع ويتصاعد زئير السماء, دموعها جرت كبحر عاصف الأمواج, بين الشهقة والشهقة تكاد روحها تغادر جسدها, تغلق أذنيها .... تمسك رأسها .... تعتصر الذكريات....

((كان يوما ماطرا حلوا كأحلام الصغار, حبات المطر تطرق النوافذ تدعوها للخروج واللعب, دائما ما نهرتها أمها ومنعتها من اللعب مع المطر, تجلس خلف النافذة ترقب السماء بعيون متسعه تحترق شوقا لليوم الذي ستتمكن فيه من الخروج تحت المطر ... وجاء اليوم, سمعت الرعد يدعوها بقوة وجرأة للخروج, ركضت إلى النافذة .. أضاء وجهها ضوء لامع براق, صفقت بكفيها بجذل وفرح كالأطفال, التفتت إليه بابتسامة لعوب مشاكسة, شعر بالفزع مما تحمل تلك الابتسامة وما وراءها من أمر لا رجاء, سحبت الكتاب من بين يديه والعوينات من على عينيه وبلا نقاش كان غارقا معها تحت المطر! تعالت ضحكاتها تملأ الفضاء, تحيي بداخله الطفولة الزائلة من روحه منذ زمن, بصوت مختنق بالمطر يدعوها للعودة للمنزل وكفى عبثا كالأطفال .. تعترض وتجذبه بقوة .. لن نعود .. لنلعب تحت المطر .. يا إلهي كم هي طفلة .. وما المانع أن يعود طفلا لدقائق؟ القى بوقاره وتخلى عن النضج, ركضا معا تحت المطر والسماء تردد ضحكاتهما الحلوة, تعب من الركض فتوقف يلتقط أنفاسه, أما هي فاستمرت .. وقفت بعيدا هناك تنظر إليه وتضحك, رأته منحنيا مستندا بكفيه على ركبتيه يجاهد ليلتقط انفاسه, ضحكت منه ورأته يتوعدها وهو يلهث, همت بالعودة إليه, كان امامها, كان يلهث .. يتنفس .. يضحك .. ويتوعدها .. كان مضطرب الأنفاس .. عروقه دافقة بالدماء الحارة .. كان .. قبل أن تنشق السماء عن سوط لامع بدأ في السماء .. وانتهى في قلبه ! صرخت .. ركضت إليه .. ابتعدت عنه .. كان صريعا على الأرض هامدا لا يتحرك, صرخت حتى راح صوتها وضاع في عتمة الليل .. صرخت حتى نسيت الكلام .. وفي الصباح وجدوا جثة ميتة وجثة حية , جثة دفنوها بالتراب وأخرى دفنوها بالحياة!))

ضرب الرعد أذنيها ثانية فارتجفت بقوة ثم غابت في فردوس الإغماء الرحيم .. حتى الصباح

بقلم/غفران حبيب
22/5/2013


الثلاثاء، 10 سبتمبر 2013

فقط .. احساس ..

انقبض قلبه بشدة كأن يد الموت الباردة تسللت بلا مادية إليه وعصرت قلبه بين اصابعها متجمدة البرودة .. هرولت إليه الأم شاحبة مصفرة الوجه لاهثة وبلا أحرف .. فقط بنظرات .. هي نظرات .. عرف منها أنها أيضا تشعر .. خرج من باب الدار لا يدري أين يذهب, يتبع صوت دقات قلبه العجوز الواهن, ينادي بلسان متلعثم على صغيرته قرة عينه فلا يخرج صوته, الخوف يشل عقله ويكاد يقتل آخر بنات وعيه , ليت الموت يختطف بنات وعيه وبنين حياته ولكن ليترك فلذة كبده ونوراة داره, رأى الأطفال أصدقائها يعدون من بعيد بوجوه بيضاء شاحبة وأصوات خافتة , سالتهم عيناه بجزع وهو يبحث عن وجهها حلو القسمات بين الوجوه الصغيرة فالتفتت أعينهم معا من حيث أتوا ولم ينبس أحدهم ببنت شفه, شعر بقواه تخور وبقدميه لا تقويان على حمله فأخذ يجرهما يستحث نفسه ببقايا أمل تعلمه من بسمتها المشرقة .. أمل كان يخبره أنه سيذهب ليجدها وتقابل عيناها الجميلتان الكحيلتان بدفء الشمس عيناه لتغرد كعادتها بصوت عذب "أبي" .. أبي .. أبي .. تكررت الكلمة بصوتها في أذنه وأخذت تكبر وتكبر بداخله حتى علت على ما حولها ,, ما عاد يسمع سوى الصوت العذب يترنم ببقايا روحه .. أبي .. من بعيد بين الخراب والموت وجد "الحياة" صريعة على الارض .. عشرة اعوام من البراءة والنقاء تتوسد الارض السوداء القاسية .. تبطأ خطواته .. يتضاءل الصوت بداخله .. وتنسحب كلمة أبي العذبة من وعيه .. ينهار جسده بعد ان أعلن العصيان على ارادته ويخر راكعا على الرماد .. يهمس باسمها فلا يتجاوز منه الهمس الشفاه .. اصابعه الراجفه تنتقل ببطء إلى جسدها الهامد .. يلامس وجنتها الباردة ويتذكر كم امتلأ هذا الجسد بالدفء والحياة .. بعد جهد طويل يضم قطعة روحه الراحلة إلى صدره الذي احتواها من يوم مولدها وهاهو يحتويها والموت راحل عن دياره بعد أن ترك بصمة بها .. بعد ساعة كاملة قضاها يحاول بعث الحياة بانفاسه المترددة وقلبه الواهن ودمعه العاجز في صغيرته .. استسلم .. بقوة لا يدري من اين واتته وقف على قدميه وانسحب عائدا للدار ..
على الباب وقفت الام المجنونة بقلقها وخوفها تراقب الطريق بعينين زاغتين
من بعيد اقتربت بقايا حي تحمل بقايا شهيدة 
رات الأم الثكلى من بعيد طيف ابنتها الحلوة .. جسدها الصغير البض الذي خاصمته الحياة فصار تائها باحضان الموت .. تخيلت الملامح الحلوة الصغيرة مكللة بسكون الموت .. العيون اللوزية المغمضة .. الشفاة الصغيرة البيضاء والانفاس الدافئة لم تعد حتى باردة ! شعرها الكستنائي القصير يحيط بملائكية بوجهها يرسم أجمل لوحة من عذوبة وبراءة وطهر ونقاء
ترسم لوحة بيد القدر تحت عنوان سؤال لكل غاصب سفاح
ماذا جنت تلك الطفلة؟

#سوريا .. #مصر .. #وطن .. #مات

بقلم/غفران حبيب
10/9/2013


الخميس، 5 سبتمبر 2013

شعاع من نور

شعاع من نور
سار هائما على وجهه لا يرى أمامه ولا يشعر بما حوله منحني الكتفين وتهدلت خصلات شعره تغطي عينيه, يتحرك ببطء ويأس ويجر قدميه جرا, يقاوم تلك الدموع وكلما حاولت الفرار حبسها بين أجفانه وخلف قضبان أهدابه, يصطدم احدهم بكتفه فيلتفت إليه معتذرا لكنه يجده مكملا طريقه بلا اهتمام وهو ما يزال يصارع دموعه في استماتة, يسير بلا هدى, ثم يقف ويرفع عينيه ينظر حوله والى أين أخذه الطريق فيجد نفسه في حديقة خالية يتجه بآليِة إلى مقعد خشبي ويجلس  مستندا بذراعيه إلى فخذيه ويحدق في الأرض بعينين لا تريان شيئا سوى الألم الذي يمسك بتلابيب روحه ويضيق الخناق على رقبته حتى انه لا يستطيع التنفس, لهث وتحسس رقبته بيده ثم دفن وجهه بين كفيه وظل جامدا بلا حراك يحاول الإبقاء على أنفاسه منتظمة, تهبط يده إلى صدره باحثا عن دقات قلبه وعندما يجده يشعر بدقاته ضعيفة مضطربة وقلبه يرتجف في أحضان صدره شاحبا خائفا وكأنه يحتضر, سقطت يده والدموع تتزايد في عينيه وهو يناضل لكبحها عندها شعر فجأة بيد صغيرة فوق قلبه تتحسس دقاته الخافتة, يرفع عينيه لتصطدم بعينين واسعتين بريئتين تحيطهما أهداب كثيفة جميلة ويشع منهما التساؤل والحيرة ثم يجاورهما الحزن عندما رأت الدموع في عينيه, سألته بتلقائية وبراءة:
((لماذا أنت حزين؟))
لم يعرف بما يجيب, ولم يستطع إزاحة عينيه عن عينيها ينهل من براءتهما وصفاءهما
((هل تبكي؟))
ومدت يدها تمسح بأصابعها على أجفانه برقة, أخذ يتأمل جسدها الصغير وشعرها الناعم, فستانها قصير ويحيط بركبتها قطعة من شاش ابيض, بشرتها ناعمة كجميع الأطفال
((عندما ابكي أضع رأسي على ساقي والدتي فتحتضنني وتغني لي أغنية جميلة.......لماذا لا تغني لك والدتك؟))
يشيح ببصره بعيدا ولا يجيب فتجلس بجواره على المقعد
((ضع رأسك على ساقي))
ينظر إليها ويتردد لكنها تمسك بيده وتجذبه فيضع رأسه على ساقيها وتمسح هي على شعره بيديها الصغيرتين كما تفعل لها والدتها وتبدأ بدندنة لحن مهشم بصوتها الطفولي الجميل, فتغلبه دموعه ويبكي بحرارة, تحاول هي عبثا مسح دموعه بأصابعها الدقيقة وقد انكسرت عيناها حزنا عليه وأخذت تربت على وجنته برفق
(( لا تبكِ..لا تبكِ))
وأخذ جسده يهتز بقوة وينتفض مع دموعه الغزيرة وهي تحيط كتفه بذراعها الصغيرة
((انظر هناك..انه عصفور..عصفور جميل))
توقف عن البكاء ونظر فرأى عصفورا هبط يلتقط الحبوب من الأرض ثم جاء عصفور آخر ووقف معه وأخذا يزقزقان معا في سعادة ويطير كل منهما حول صاحبه
((انه يبدو سعيدا))
قالتها حالمة فرفع عينيه إليها يرى السعادة التي ارتسمت على وجهها الملائكي الصغير, نظرت إليه مبتسمة ثم عادا إلى العصفورين ثانية حتى ذهب العصفوران وظلا صامتين هادئين
((هل تسمع هذا؟))
أصاغ السمع قليلا لعله يفهم ما الذي سمعته فأسعدها هكذا, تناهت إلى أسماعه تلك الموسيقى العذبة التي تعزفها الطبيعة من حفيف أوراق الشجر وتغريد الطيور وأصوات الحيوانات الصغيرة تتفاهم فيما بينها, فشعر بصفاء وهدوء وسكينة
((الحياة جميلة..أنا أحبها))
ارتجف قلبه لنبرة الصدق والبراءة التي اكتست بها كلماتها ولم ينبس ببنت شفة, جاء طفلان يحملان كرة قائلين:
((ألن تلعبي معنا؟))
وقبل أن تجيب رفع رأسه عن ساقيها, نظرت إليه فابتسم لها وقال مشجعا:
((اذهبي والعبي مع أصدقائك))
ابتسمت ابتسامة مشرقة ووضعت كفها الصغير على يده
((لا تبكِ ثانية))
ثم ركضت خلف الطفلين, وتركته جالسا يستمع إلى موسيقى الطبيعة وعلى ثغره ابتسامة.
بقلم: غفران حبيب
2012 م