شعاع من نور
سار هائما على وجهه لا
يرى أمامه ولا يشعر بما حوله منحني الكتفين وتهدلت خصلات شعره تغطي عينيه, يتحرك
ببطء ويأس ويجر قدميه جرا, يقاوم تلك الدموع وكلما حاولت الفرار حبسها بين أجفانه
وخلف قضبان أهدابه, يصطدم احدهم بكتفه فيلتفت إليه معتذرا لكنه يجده مكملا طريقه
بلا اهتمام وهو ما يزال يصارع دموعه في استماتة, يسير بلا هدى, ثم يقف ويرفع عينيه
ينظر حوله والى أين أخذه الطريق فيجد نفسه في حديقة خالية يتجه بآليِة إلى مقعد
خشبي ويجلس مستندا بذراعيه إلى فخذيه
ويحدق في الأرض بعينين لا تريان شيئا سوى الألم الذي يمسك بتلابيب روحه ويضيق
الخناق على رقبته حتى انه لا يستطيع التنفس, لهث وتحسس رقبته بيده ثم دفن وجهه بين
كفيه وظل جامدا بلا حراك يحاول الإبقاء على أنفاسه منتظمة, تهبط يده إلى صدره
باحثا عن دقات قلبه وعندما يجده يشعر بدقاته ضعيفة مضطربة وقلبه يرتجف في أحضان
صدره شاحبا خائفا وكأنه يحتضر, سقطت يده والدموع تتزايد في عينيه وهو يناضل لكبحها
عندها شعر فجأة بيد صغيرة فوق قلبه تتحسس دقاته الخافتة, يرفع عينيه لتصطدم بعينين
واسعتين بريئتين تحيطهما أهداب كثيفة جميلة ويشع منهما التساؤل والحيرة ثم
يجاورهما الحزن عندما رأت الدموع في عينيه, سألته بتلقائية وبراءة:
((لماذا أنت حزين؟))
لم يعرف بما يجيب, ولم
يستطع إزاحة عينيه عن عينيها ينهل من براءتهما وصفاءهما
((هل تبكي؟))
ومدت يدها تمسح بأصابعها
على أجفانه برقة, أخذ يتأمل جسدها الصغير وشعرها الناعم, فستانها قصير ويحيط
بركبتها قطعة من شاش ابيض, بشرتها ناعمة كجميع الأطفال
((عندما ابكي أضع رأسي
على ساقي والدتي فتحتضنني وتغني لي أغنية جميلة.......لماذا لا تغني لك والدتك؟))
يشيح ببصره بعيدا ولا
يجيب فتجلس بجواره على المقعد
((ضع رأسك على ساقي))
ينظر إليها ويتردد لكنها
تمسك بيده وتجذبه فيضع رأسه على ساقيها وتمسح هي على شعره بيديها الصغيرتين كما
تفعل لها والدتها وتبدأ بدندنة لحن مهشم بصوتها الطفولي الجميل, فتغلبه دموعه
ويبكي بحرارة, تحاول هي عبثا مسح دموعه بأصابعها الدقيقة وقد انكسرت عيناها حزنا
عليه وأخذت تربت على وجنته برفق
(( لا تبكِ..لا تبكِ))
وأخذ جسده يهتز بقوة
وينتفض مع دموعه الغزيرة وهي تحيط كتفه بذراعها الصغيرة
((انظر هناك..انه
عصفور..عصفور جميل))
توقف عن البكاء ونظر فرأى
عصفورا هبط يلتقط الحبوب من الأرض ثم جاء عصفور آخر ووقف معه وأخذا يزقزقان معا في
سعادة ويطير كل منهما حول صاحبه
((انه يبدو سعيدا))
قالتها حالمة فرفع عينيه إليها
يرى السعادة التي ارتسمت على وجهها الملائكي الصغير, نظرت إليه مبتسمة ثم عادا إلى
العصفورين ثانية حتى ذهب العصفوران وظلا صامتين هادئين
((هل تسمع هذا؟))
أصاغ السمع قليلا لعله
يفهم ما الذي سمعته فأسعدها هكذا, تناهت إلى أسماعه تلك الموسيقى العذبة التي
تعزفها الطبيعة من حفيف أوراق الشجر وتغريد الطيور وأصوات الحيوانات الصغيرة
تتفاهم فيما بينها, فشعر بصفاء وهدوء وسكينة
((الحياة جميلة..أنا أحبها))
ارتجف قلبه لنبرة الصدق
والبراءة التي اكتست بها كلماتها ولم ينبس ببنت شفة, جاء طفلان يحملان كرة قائلين:
((ألن تلعبي معنا؟))
وقبل أن تجيب رفع رأسه عن
ساقيها, نظرت إليه فابتسم لها وقال مشجعا:
((اذهبي والعبي مع أصدقائك))
ابتسمت ابتسامة مشرقة
ووضعت كفها الصغير على يده
((لا تبكِ ثانية))
ثم ركضت خلف الطفلين,
وتركته جالسا يستمع إلى موسيقى الطبيعة وعلى ثغره ابتسامة.
بقلم: غفران حبيب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق