الاثنين، 28 ديسمبر 2015

إليكم

إلى الضعفاء والمستضعفين ومن انتظروا أن يظلهم العالم بجناحه فإذا به يعصف الهواء برفرفةٍ حولت حياتهم لأعاصير
للون الرمادي الشاحب في أعينكم
للروح التي تركت منكم الجسد وللجسد الذي هزل على روحه فلم تجد ما تتمسك به منه
لأشلاء أرواحكم المتساقطة منكم في الطريق نحاول أن نلملمها خلفكم
للحزن الساكن في أناكم وأنّاتكم
لغبار عالمكم
للصوت الميت في كلماتكم
يا وجه العالم الشاحب
يا قلب العالم الحقيقي تحت قناعه
يا صبر الموت النافذ بين تشابهكم
يا عامٌ انتهى عليكم في أماكنكم
يا أيها الساكنون بأضلعي وأضلعكم
مني لي ومنكم لكم تحيةٌ وأسفٌ وسلام

الأحد، 25 أكتوبر 2015

منظومة الشك


الثقة واحدة، من أهم خلايا سيكولوجية الإنسان تكاد تقارب في أهميتها القلب في جسده، ولا أبالغ لو قلت: إنها واحدةٌ من الأحجار الأساسية التي يترتب عليها كل الإنسان!
فذرة شكٍّ صغيرةٍ قد تغير حياة الإنسان وتنأى بها إلى طريقٍ لا عودة منه, ولا يمس شغاف ثقة الإنسان شيءٌ قدر المصداقية، فتراها كعصا الساحر: تذيب أسوار الشك والحذر عنه، تاركةً إياه بغير درعٍ يقيه، محركةً ثقته ومستحوذةً عليها، ولا عيب في ذلك، فالصدق استحق الثقة، يبدو الأمر بسيطًا! أو هكذا كان يبدو من قبل، لكنه لم يعد كذلك.
من قبل كانت مصادر المعلومات تبدو واضحةً مستحقةً لثقة الأغلبية أو غير جديرةٍ بها ببساطة, كان الناس يستيقظون صباحًا؛ لقراءة نفس الصحف لنفس الكُتاب الذين يعرفونهم كأنهم عاشروهم بشخوصهم وعرفوهم منذ نعومة أظفارهم.
وكذلك الحال حينما كانت تلتف العائلات حول الراديو تستمع إليه أو تشاهد التلفاز, وبعيدًا عن الأخبار اليومية التي قد تجد فيها الشك والصدق، فالكتب بُعدٌ آخرٌ من أبعاد المصداقية، التي أجزم بأنه لا غنى عنها مهما حدث،
ومهما تقدمنا وتطورنا فستبقى الكتب هي الكتب، وستبقى كلمات الثقافة والعلم تسارع لإثارة صور الكتب في أذهاننا، كدليلٍ دامغٍ على أبديتها، وعلى اعتبارها مصدر العلم والمعرفة لكل ما مر على الإنسان من علومٍ منذ بداية الإنسانية حتى الوقت الراهن، إنها تراث الإنسانية الوحيد الذي يستمر تسليمه من جيلٍ إلى جيل، فإذا لم تستحق الكتب المصداقية فمن سيستحقها!
هكذا بدا لي أصحاب الكتب قديمًا، هكذا بدت لي الكتب التي كانت تُخطّ بآلاف الصفحات يدويًا وأغلفتها السميكة التي كانت تستنزف من الشخص أسابيع لصناعتها، وحتى بعد تطور صناعة الكتب والوصول لسهولة كتابتها ـ تقنيًا فكتابة الكتب فكريًا ليست لعبةً للجميع! ـ ونشرها فظلت أغلفة الكتب تحمل أسماء أصحاب علمٍ أو فكرة.
بالرغم من انتشار الشائعات كحقيقةٍ راسخة على مرّ التاريخ، ولكن الأمر يبدو لي على الأقل كأن أحدًا من مصادر المعلومات، هؤلاء لم يجرؤ على خيانة المصداقية التي حملها على عاتقه ولكل قاعدةٍ شواذ.
لكنني لست أدري سبب إحساسي أننا في عصرنا الحالي لا نجد سوى شواذ هذه القاعدة؛ بحيث صاروا هم القاعدة وأصبحت المصداقية هي التي تشذ عنهم, إن الشبكة العنكبوتية كانت جنةً وجحيمًا حين جاءت إلينا: جلبت معها اتساع الآفاق، وجلب العالم كله لك في شاشةٍ صغيرةٍ أمامك تنتقل من بلدٍ إلى آخر بضغطة زرٍ،
وكذلك جلبت الجحيم على رأس ثقة الإنسان عازفةً باستمرارٍ على وتر الشك، لدرجة أننا ألفنا اللحن وما عدنا مصغين أو منتبهين له فصار الصالح بالطالح أمامنا وفي دواخلنا، ولم يعد للمصداقية من روادٍ أو أصحاب فهي صارت لعبةٌ بأيدي الجميع, أصبح بمقدور كل واحدٍ قد يفقه أو لا يفقه شيئًا عرض الأفكار أو نشر الأخبار أو تبني جهاتٍ وأحيانًا خلقها.
صار بمقدور الجميع لمس شغاف الثقات مترنمين بلحن الشك بغير رهبة، فيكفي منشورٌ أو تغريدة لبدء شيءٍ حين يصل إليّ أو إليك فنحن ببساطة لا نعرف بدايته ومدى صدقه من عدمه، فالجميع يكتب، والجميع يكذب، والجميع يصدق, فالكل أصبح يملك منبرًا خاصًا يذيع من عليه أشياء لا نعلم أنا أو أنت أو حتى هو نفسه مدى مصداقيتها، ولكنه مؤمنٌ بها ويجد من سذاجة بعض الثقات ذات الإيمان التي لا تكتفي بالتصديق، بل تساهم في النشر؛ للإيقاع بالمزيد من الثقات، فصمتنا مكتفين بالتشكيك في كل ما يقع تحت أيدينا والبحث المضني عن البداية.
وحتى بعد البحث والتأكد فلا نجد تلك الثقة المرجوة, ولكن الأمر المثير للرعب أن هؤلاء لم يكتفوا، بل وجدناهم ـ للعجب ـ يغزون الشاشات، وأسماؤهم تتصدر عناوين الكتب، فتجد اسم الواحد منهم في صدر الكتاب، وتجاهد أنت للبحث عن اسم الكتاب الذي لا يحمل بين دفتيه سوى المعنى المجسم للاشيء يمارس ذات الضغط على الحيز الضيق للمصداقية المحتجزة بكل الحبر المتناثر على سطوره بأشياء لا أساس لها من الصحة.
من أين لنا أن نعرف شيئًا الآن؟ أين نجد الأخبار إن كنا سنشكك في الجميع ونحث الخطى بحثًا عنهم، لعلنا نعرفهم لنكتشف في النهاية أننا ما عرفناهم قط!
أين نجد العلم لو امتلأت الكتب باللاشيء؟ أين نهرب من كل الأشياء التي تصل إلينا ونحن في بيوتنا على صفحاتنا الخاصة من أين لنا بالثقة ثانيةً؟ الثقة التي تبدو كأن نبعها نضب منا فجأة، بل إنه ممعنٌ في الجفاف كأنه يسوق إلينا تهديدًا صامتًا.
إن جرس الإنذار الذي اعتاد على القرع كلما تهددت الثقة بالخطر فقد الرنين مما يحدث، بل إنني حتى لست أدري لماذا وصلتم إلى هذا السطر مما كتبت فمن أين للمرء أن يعرفني ليقرأ لي! لست أدري حقًا.
22/10/2015
http://www.sasapost.com/opinion/doubt-system/#.Vijj1kZG1Pw.facebook

الأحد، 17 مايو 2015

العالم يئن

ولنتحدث قليلًا عن الألم الذي صار يملأ العالم حتى إني لأعجب من قدرة العالم على النبض بالحياة بكل هذه الآلام الصغيرة والكبيرة في بقاعه..
إن قلوبنا أو لنقل حتى الوعي والعقول منا لا تستطيع المجازفة لتجاوز الحدود والنظر عن كثب في كل الجروح النازفة..
لربما كان تقليصنا لمعنى الألم في المعاناة الإنسانية التي ما هي إلا ذرةٌ من غبار تذهب أدراج الرياح من جبال الألم الراسخة بنبض الحياة .. ما هي إلا طريقتنا البائسة الفانية في الإحساس بالألم ووضع الحدود معه تلك الحدود التي تمنع قلوبنا من الانفجار أو ربما قد ينفجر الجسد بأكمله تحت وطأة الوعي!
تبًا للوعي الأكبر من مقدرتنا ذاك تبًا وتبًا له ذلك الذي يرينا العجز بكل لحظة .. ذلك الذي مهما تمنيناه لن نحصل عليه ولو سقطت نواميس الطبيعة وحصلنا عليه لما احتملناه زمن رفةٍ من جناح العصفور..
إن الألم الذي الذي احتجزته عقولنا في مآسي الإنسانية اللانهائية تفجعنا فكرة أنه جزءٌ صغيرٌ من آلام باقي الكوكب..
من ألم كائنٍ صغيرٍ حشريٍ لم تحصل روحه على شيءٍ سوى دعسةٍ من قدمٍ قصدتها أو لم تقصدها إن التأمل في روحٍ بدأت لتنتهي تحت قدمك لثوانٍ معدودةٍ قد يبدو أحيانًا قاتلًا..
كما حملت الأرض أروحًا غير أرواحنا الآدمية فقد أصاب الألم مصابه منهم كما كان منا..
الألم صارخٌ وموجودٌ في كل لحظة في كل شيءٍ وكل مكان..
في كل حيٍ وحتى أني لأشعر أحيانًا ببعض الجماد يئنّ ويتألم!!
أشعر أننا لم نخلق لنشعر بالألم القاصر على أجسادنا .. ولا المنحصر في جنسنا..
كإننا خلقنا لنهدأ من الداخل ونسمع الأنين القادم من الخارج فنضمد كل جرحٍ نقابله ولو حتى بالوعي لوجوده! الألم لألمه..
ألم الإنسان قد يبدو تكفيرًا عن ذنبه.. دينًا يرد له.. أو حتى ظلمًا وقع عليه فرفعه!
لكن أنين عصفورٍ يحتضر أو دميةٍ ملقاةٍ بإهمال تحكي قصصًا من حيث جاءت!
قد أجد القلب ينزف بجوارها حتى الموت بدون أن يجد ردًا يضمد جرحه لهو المعنى الخالص للألم!
إن العالم بأسره يئن فاخفضوا أصوات أنينكم لعلكم تسمعون

الأربعاء، 1 أبريل 2015

انتهى



الظلام التام المحيط عاكسًا في حناياه القادم الذي لا تنبؤ القيود بسواه هو ما يراه.. بالأدق هو ما يشعر به فالرؤية لم تعد متاحةً له.. ينتظر بفارغ الصبر أن تهمس له ذاكرته بما حدث.. يخبره قلبه أن صوت الذاكرة هو الصوت الوحيد الحاني المألوف الذي سيسمعه من الآن فصاعدًا فليستدعه إذن فالوحشة تملأ جوانبه بالظلمة ممتدة الأذرع لعنقه وجسده بل حتى لروحه تحبسها بين براثنها.. ألهمه ذلك ألهمته المخالب الحادة الممسكة بتلابيب روحه مدميةً أطرافها الهشة.. لكن لسانه مكبلٌ أيضًا هكذا همست له مشفقةً في أعماقه وشعلتها تتقد بوهن في أعماقه.. آنسهُ صوت الذاكرة رغم الوهن تلهف فباحت له بمكنونها .. " صَوْتُكَ مُختَطفٌ باسْمِ الأصَالَةِ أيُّهَا الحَرْف.."
اعترض بغير أن يُسمع له صوتٌ يُذكر جاء الاعتراض فراغًا صاخبًا بالصمت جاءت محاولاته للتملص من القيد قيدًا جديدًا.. انسحب من داخله خارجًا رغمًا عنه لما حوله.. لا يستطيع سوى أن يسمع.. بعين الخيال.. يرى مائدةً تراها أذنه على بعدٍ منه افترشتها الأوراق تلاطفها الأقلام.. كاد الحنين أن يزلزله لها لكن البقية حولت حنينه لكراهيةٍ شرسة.. الجلادون يحيطون بالمائدة يحملون تلك الأقلام انتبه الآن إلى أنها تثخن الأوراق جراحًا لا تلاطفها! تناهى إليه الأنين الخافت المتصل بالأنين داخله.. كانت جراح الورق تتشكل لأذنه بأصواتٍ لم تعرف يومًا كيف تتحدث عن تلك الجراح كان ذلك يمزقه كان كل جرحٍ يترك الورق ليستقر فيه.. بعد برهة صمتٍ تلامس أصابعه الورق الهامد بلا حياةٍ سارقةً بصماته عنوة.. تغادر الأقدام حاملةً الجثة الملطخة بدمائه قلبًا حاملةً اسمه كذبًا وتنتشر في ذلك الخارج البعيد عنه مضمومةً بين دفتين تفتري عليه ما لم يرتكب يومًا..
تعاقبت الشموس والأقمار لا يرى ذهبية تلك ولا فضية ذاك تلسع الألسنة وأنين الأوراق جسده بأسواطها صباح مساء حتى أرهقه التعذيب.. لم يعد يقاوم لم يعد يصرخ بصمتٍ لم يعد جسده الهامد الآن يتلوى متملصًا.. كأنها كانت ساعة الصفر! تُركت الأوراق والأقلام وأحاط الجلادون به.. فكوا قيد يده ولامست أصابعها قلمًا باردًا بلا إحساس.. "وَقِّع!" زمجروا به.. حاولَ.. حاول ثانيةً.. أرهقته المحاولة وهو يبحث عن شعلة ذاكرته المنطفئة بلا جدوى.. عجز.. لم يعد الحرف يذكر كيف يوقع.. سقط القلم.
انتهى

غفران حبيب
1/4/2015


الاثنين، 23 مارس 2015

طيف الموت

ما كان لنا يومًا أن نلوم الموت.. ما كان للإنسان المخلوق العاجز أن يتعدى باللوم والاعتراض على القدر نحن فقط نستقبله في دورنا ضيفًا غير مرغوبٍ ولا مرحبٍ به لذا لم يأت يومًا بسابق موعدٍ فقط يهبط على الدار خاطفًا منها مختفيًا مسربلًا كما جاء تاركًا الحزن خلفه..
وما إن تهب رياح الموت عليك حتى تشعل فيك جمر الذكرى فتأبى تركك إلا وزيارات الموت لقلبك نيرانٌ متأججة تجتر الواحدة منها الأخرى في إثرها وأنت ضعيفٌ عاجزٌ تبكي لست تبكي موتًا واحدًا وإنما كثرة لست تبكي الجثمان الراقد أمامك فقط وإنما تبعث بدموعك أجسادًا توارت في التراب تعيدها لتبكيها جثمانًا تلو جثمان تستدعي أرواحهم في قلبك فتودعها روحًا تلو روح بل إنك قد تبكي أمواتك وأموات التاريخ تبكي ما سعتك الدموع ولو نضب منك الدمع فدم القلب لا ينضب يبكي داخلًا العروق وخارجًا منها..
إننا لا نبكي الأموات ولم نبكهم قط بل نبكي أنفسنا نرثى لحالنا من بعدهم نتجرع ثمن كل ذكرياتنا معهم فهم ذهبوا ولم يبقَ إلا نحن ونحن من انشغل بهم وبذكراهم من بعدهم نحن من نبحث عن بقايا أحلامهم في نومنا ونكاد من فرط الألم نغض أبصارنا عن مجالسهم التي فرغت بعد وجودهم نسد آذاننا عن صوت الصمت الجاثم بعد أصواتهم نلتمس في لحظة ضعفٍ وجودهم كأنه -الموت- لم يكن فلا نجد سوى صفعة الواقع ردًا..
ليت الموت لا يجتر في زيارته ذكرى زياراته كلها عاصفةً بقلوبنا..
إلى الساكنين بأعماقنا..
إلى كل من خلفوا تلك المقاعد التي باتت خاليةً بثغورها في أرواحنا..
إلى الذين تركونا وصعدوا إلى السماء..
إليكم يا من عبرتم فينا..
إلى أكثر من ضربة موتٍ غائرةٍ أصابت قلوبنا وما زال العدد في ازدياد..
لو ما استطعتم العودة فليتكم تسمعون
رحمة الله عليكم ورحمة الله علينا بعد فقدكم

غفران حبيب
٢٣/٣/٢٠١٥