تنتثر
كراسي المقهى الخشبيه بلمعان رذاذ البحر عليها عابقة بملوحة مسكرة على الشاطئ
الرملي تحت الغطاء الأسود الناعم الذي أسدلته السماء, على أحدها يجلس اثنان وسبعون
عاما من خلاصة الحياة, خلاصة من نوع آخر! حاجابان عريضان شائبان تختفي خلفهما
عينان فضيتان لامعتان ذابت لمعتهما بين أهداب الجفون المسبلة بهدوء تاركة بصيصا
هادئا سمح للبحر أن ينظر إليه, كل يوم يتخذ هذا المجلس النائي قليلا عن بقية البشر
, رغم ان المقهى يغزوه الهدوء كضي قمر يتسلل عبر الستائر بين الظلام, لسبب غير
مفهوم يقصده كل الصائمين عن الكلام العازفين عن رؤية الناس, تجتمع فيه العديد من
العوالم الخاصه! بل تولد بقلبه عدة عوالم, حيث يتقوقع كل منهم على أحد الكراسي
سابحا بعالمه متأملا أمواج البحر بصمت ظاهري وضجيج داخلي مزلزل! اعتاد العاملون
بالمقهى تلك الوجوه الجامده والعيون المتقدة, حتى أنهم في الأيام التي يرتفع فيها
الموج ثائرا هادرا كانوا يتساءلون ما إذا كان ذلك حقا اضطراب البحر ام اضطراب
اصحاب العيون المحدقه فيه بثبات مخيف! يبدو لهم أحيانا كأن قوة خفيه تنبعث من هذا
الجمع الصامت! يبدون مهيبين منسجمين متناسقين متفقين بصمت على التحديق الثابت بتلك
الأمواج, يتساءلون هل أصيب البحر مرة باهتزاز ثقه بالنفس؟! حين يحدق إليك أحدهم
بهذا الاصرار والثبات وتلك العيون المتقده لسبع ثوان فأنت تحسبه على وشك قتلك! فما
بالك بتحديق يدوم لسنوات !! لكن الاجابه دائما كانت زمجرة من قلب البحر الغاضب من
تلك الأفكار! فما خُلق بعد من يقهر الجبار, هم يحدقون به ليحتويهم لا ليقهروه! هو يستقبل
نظراتهم بأمواجه واضطراباتهم باضطرابه, هو يشاركهم وقد يخفف عنهم برذاذه المالح
المنعش الذي ينثره على وجوههم , يعزف للكون أغنيته الأبدية التي تملأ أرواحهم حد
الثماله, يدري أن كلا منهم يعود أدراجه .. يتدثر بأغطيته ذائقا ملوحة البحر في فمه
.. سامعا هديره في أذنه, اعتاد العاملون أيضا الشرود وتكرار الكلام أكثر من مرة
برفق وصبر حتى يخرج الزبون من قوقعته على مضض مجيبا بهمس مع الوقت اعتادت آذانهم
تمييزه, اعتادوا ظهور البعض واختفاء البعض, البعض يرتاد المقهى لفترة وينقطع لفترة
ثم يعود ثم يختفي بتتابع عجيب, البعض يأتي مرة ولا يعود والبعض يأتي مرة ولا ينفك
عن العودة لسنين بلا انقطاع! والمقهى يرقبهم جميعا بعين يقظة منذ يوم انشائه,
تحترم جدرانه صمتهم فانسحبت عنهم تاركة أرواحهم الحبيسة طليقه خارج حيزها منطلقة
لأحضان البحر الهائج, وعلى قوة ذاكرة ذلك المقهى القديم فهو لا يذكر منذ متى وصاحب
العينين الفضيتين متربع على عرش أحد أركانه, توقف بعد مدة عن احصاء السنوات, علم
بخبرة قوالب طوبه الحجرية الراسخه وبهمس الكراسي فيما بينها على أبواب الفجر بعد
أن يرحل الجميع أنه باقٍ للأبد! توقف عن النظر إليه بفضول واهتمام كلما رآه من
بعيد متجها نحوه بخطى دقيقه محسوبة, ظهره محني قليلا وقدماه تبدوان كأنما تحفران
آثار خطاه وهما تخطوان بتؤدة وبطء, يشبك يديه خلف ظهره ويسير, يجلس على ذات الكرسي
الذي ينتظره بصبر كل يوم, فقط لحظة قدومه .. يشعر المقهى باكتماله! يشعر بأن كل شئ
صار على أفضل ما يرام, لا يدري حقا ما يفكر فيه العجوز ولا ما ينتظره على كرسيه
الأبدي هناك! كرسيه الذي بات يرفض استقبال أحد غيره, قد يلاحظ أيضا منذ بضع سنوات
أن العجوز لم يتجاوز الثانية والسبعين, لكنه لم يعر ذلك اهتماما كبيرا, ولم يمنعه
ذلك من انتظاره كل يوم ليكتمل به وجوده
25/2/2014
غفران
حبيب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق