الثلاثاء، 22 يناير 2013

الظلام


دخلت غرفتها بخطى متثاقلة بطيئة,اغلقت الباب وجلست ارضا في ركن الغرفة,تحدق بعينين خاويتين ميتتين فيما حولها, تمسح الجدران بناظريها, ثم تتوقف عند السقف الذي يبادلها تحديقا بتحديق, ما اشد الظلام, وكأن ظلام نفسها كان مقيدا فما لبث ان تحرر وانتشر, ابتلع الغرفة بالكامل فغرقت في دوامة من الظلام اذا هربت من ظلام نفسها وجدت ظلام الغرفة واذا هربت من ظلام الغرفة اطبق عليها ظلام نفسها, ارتجف جسدها الهش واقشعر جلدها واصطكت اسنانها, انكمشت على نفسها تضم ركبتيها الى صدرها, وتلقي برأسها على ذراعيها, انسابت الدموع كاللؤلؤ من عينيها انهارا, لم تعد تحتمل, بلغ اليأس منها مبلغه ورقص المر فرحا بما انجزه, حاول عقلها مواساتها فلم يستطع حاول قلبها مشاركتها فكاد يموت قهرا, سمعت صوت اقدامهما, توقف شلال الدموع وارهفت السمع, حفيف ثوبهما الناعم, خطواتهما الرشيقة الراقصة وبرغم ذلك تكاد تكون غير مسموعة وكأنهما لا يسيران, لقد اتيا, لم ترفع رأسها لكنها لم تقاوم رغبتها في اختلاس النظر اليهما......ورأتهما, خفق قلبها بشدة عندما وقعت عيناها على جسديهما الرشيقان وثيابهما فاحمة السواد, ثياب لا تعرف لها مثيلا, لا تدري كنهها حقا ولكنها خلابة, وجهه الساحر وملامحها الفاتنة خلبا لبها, كانا رائعين في كل شئ, ساحرين في كل شئ, فاتنين في كل شئ, بشرتهما ناعمة مرمرية وشعرهما اسود ناعم متناسق حول وجهيهما, كانا متشابكي الايدي وهما يقتربان منها, جلسا بجوارها بدون ان يحدثا صوتا وتبادلوا الصمت لدقائق وربما ساعات, تستمع لانفاسهما المنتظمة وتشعر ببرودتها تلسع جسدها, خرج صوتها الموسيقي ناعما يدير العقول وهي تهمس:"الم تغيري رأيك بعد؟هيا استسلمي لنا وانضمي الينا"

ارتجف جسدها بقوة بعد سماعها العبارة الاخيرة ورفعت رأسها تنظر اليهما فبادلاها النظر بعينين زجاجيتين تبدوان كلجتين في بحر هائج, سحرها التناقض بين بشرتهما البيضاء الشاحبة وسواد شعرهما وملبسهما الفاحم وزرقة عيونهما الصارخة فصمتت ولم تجب, دائما ما اجابت, دائما ما رفضت, لكن هذه المرة كان الصمت هو جوابها, غاصت في بحر ذاكرتها, انهما لا يأتيان الا عندما يخنقها اليأس وتتملكها الوحدة ويسيطر عليها الالم, دائما يأتيان من لا مكان.....دائما ظلام.....الصمت....السؤال....رفضها.....الصمت.....ثم يرحلان الى لا مكان,ولكنها هذه المرة لم تجب, رأت يدين تمتدان اليها, حرقت الدموع مقلتيها ولكنها قرأت الدعوة والامان في عينيهما, مدت يدها, فكاد قلبها الصغير المسكين يقفز فزعا, كان يرتجف بشدة جعلتها تلهث, سحبت يدها قبل ان تلمس يديهما وضمتهما فوق قلبها لعله يهدأ, عاد الصوت الموسيقي يأسر اذنيها ولكنه اكثر خشونة ورجولة من صوت الفتاة:"سيهدأ ويرتاح عندما تنضمين الينا...صدقيني"

استسلمت وارخت ذراعيها, قرآ الاستسلام والموافقة في عينيها فاقتربا وامسكا بيديها, اجفلت من برودة يديهما لكن نعومتها كانت تجذبها, اقتربا منها واحتضناها, لفاها بجسديهما,شعرت بالدفء في احضانهما رغم برودتهما, شعرت بالامن بينهما رغم ذعر قلبها, لم تجفل رغم رجفة جسدها, ابتعدا عنها, فتحت عينيها ونظرت الى نفسها, كان قلبها عاد هادئا طبيعيا ولم تعد تشعر بالبرودة حولها بل هي تنبع من داخلها, رأت ثيابا سوداء حريرية كثيابهما الجميلة, نظرت اليهما فبادلاها النظرات وذهبا, ظلت جالسة جامدة في مكانها,في الايام التالية كانت كلما نظرت في المرآة رأت ثيابها الحقيقية وشكلها المعتاد لكنها كانت ترى هالة تحيطها من السواد البراق, كانت تسير في الشوارع فينظر الناس اليها ويتجنبونها تماما كما كانوا يتجنبونها من ذي قبل, عادت يوما منهارة الى ظلام غرفتها تبكي فجاءا اليها, جلسا بجوارها فلم تحتمل الصمت, رفعت رأسها وهمست:"ماهذا الذي احطتماني به؟"

اجاب:"نحن"

صاحت:"ومن انتما؟"

اجابت:"انا الوحدة"

واجاب:"انا الالم"

شعرت بالصدمة تخدر جسدها وهمست بلاوعي:"بعد الناس كساني وحدة والما ام اني كسيت وحدة والما فابتعد الناس عني؟"

نظرا الى بعضهما البعض وابتسما ابتسامتهما الحزينة الشفافة ولم يجيبا وران الصمت والسؤال يدوي مرارا وتكرارا في رأسها واضحا في عينيها, لقد تركها الناس وابتعدوا عنها بلا سبب فشعرت بالوحدة والالم ثم جاءها الوحدة والالم وكسياها ثيابا من الوحدة والالم فابتعد الناس عنها, فمن بدأ اولا؟الناس ام الوحدة والالم؟

كانت ترفع رأسها اليهما فترى ابتسامتهما الحزينة الشفافة كماهي ولكن بلا اجابة.....

وظل الصمت كما هو......

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق