أترى تلك الأضواء الخافتة البعيدة؟ تخرج راجفة من نوافذ البيوت الساكنة, داخلها أناس تجمعوا حول نيران المدفئة يرتجفون ويتهامسون فيما بينهم, أترى طبقة الثلوج الرقيقة التي تعلو سقف كل بيت؟ بياضها الجميل يتناقض مع سواد الليل الفاحم, تنظر من بعيد إلى بيوت القرية فتكاد تراها تتقارب من بعضها تستمد الدفء والامان, ليل بارد خال من العواصف والأمطار, فقط نسيم بارد مداعب, أعشق الثلوج والبرد والشتاء, أتعلم؟ أن تجلس داخل بيت دافئ أمام نيران مدفئة مستعرة تقترب منها, حول بيتك ليل مظلم ويحيط به الثلج من كل جانب, تسمع طقطقة النيران تلتهم بعضها البعض ..... إنه أفضل وقت لرواية قصة رعب..بل لتعيش قصة رعب, اسطورة هنا أو خرافة هناك لا يهم أصلها ولكن مايهم هو أن تتحول رجفة أوصالك من رجفة برد إلى رجفة.....خوف, تعال معي الآن...كلا ليس إلى القرية, أترى تلك الغابة الكثيفة القريبة؟ أشجارها عالية مورقة متشابكة الأغصان تحمل الثلوج تزينها كأشجار عيد الميلاد, أحكم إغلاق سترتك ووضع قلنسوتك, احترس لخطواتك فالثلج كثيف, لا تقلق وأنت معي, هيا الآن, سر بهدوء وحاول ألا تحدث أي صوت..سأخبرك الآن بالسبب أو ستراه بنفسك ولكن التزم بما أقول, لنقف هناك خلف تلك الأشجار, انظر هناك إلى تلك البقعة الدائرية المضاءة بضوء القمر...انها قلب الغابة..انظر..انظر..أتراها؟! {{هناك وقفت فتاة تعطيهم ظهرها وعلى ضوء القمر رأياها, رشيقة القد مستقيمة القامة, شعرها أسود طويل انساب مستسرلا حتى خصرها, لا يستر جسدها سوى قميص خفيف هفهاف في هذا الزمهرير عاري الأكتاف والذراعين يعلو فوق ركبتها كاشفا بشرتها الشاحبة, تكاد معالمها من شحوبها تختفي بين الثلوج, ركعت الفتاة على ركبتيها وانحنت تنبش الثلوج الباردة باصابعها الطويلة الشاحبة, تنبش وتنبش وتنبش, هب من حولها نسيم بارد يدور صانعا دائرة هي مركزها يحمل الثلوج من هنا ويضعها هناك وبين هنا وهناك ظهرت...ذئاب الجليد! من تلك الثلوج البيضاء ولاشئ سوى ثلوج ولدت تلك الذئاب, بيضاء ورمادية تكتسي فراء وتبرق عيونها وتلمع, عشرات منها ظهرت, أحاطت الفتاة...اقتربت منها...داعبتها في دلال! تربت الفتاة على راس ذئب داعب بأنفه ذراعها وتعود تنبش بين الثلوج, حوطتها الذئاب, أخذت تتمرغ في الثلوج, تلصق أجسادها الفرائية الناعمة بجسد الفتاة الجاثمة بين الثلوج فلا تعلم من استمد الدفء ممن ومن طلب الأمان ممن, ساعدها ذئب أو اثنان في نبش الثلوج وبعد جهد كبير ونبش طويل...ظهر أخيرا...جسد صغير مسجى بين الثلوج, شعر صغير تجمدت أطرافه وجلد رقيق شاحب غادرته الحياة, حملت الفتاة الطفلة الصغيرة, ضمتها إلى صدرها..ارتجف جسدها وارتفع منها الأنين. التفت الذئاب من حولها, رفعت رؤوسها تشاركها الأنين وشق العواء الحزين سكون الليل المهيب, ثم أطرقت برأسها أرضا وكفت عن العواء ولم تكف الفتاة عن الأنين }} هيا الآن تعال.....مابالك تجمدت في مكانك؟! لا تنتظر المزيد فسيظل الأنين يعقبه العواء إلى الهزيع الأخير من الليل, هيا نعد الآن, وفي أمان البيت ودفء النيران أروي لك قصتها.....فتاة بين الثلوج.....
اقترب من المدفئة أكثر إن أردت, خذ هذا الكوب..طعمه لذيذ..سيدفئك, والآن أروي لك حكاية ما رأيت {{ساد صمت قصير طقطقت فيه النيران ثم.....}} منذ 53 عاما كنت شابا من شباب هذه القرية وفي احد ايام الشتاء الباردة دخلت قريتنا فتاة منسدلة الشعر طويلة القامة, كان الشحوب والإعياء باديان عليها, تحمل بين ذراعيها طفلة صغيرة شاحبة لكن على الأقل حية, كانت متعبة لا تقوى على الوقوف او الكلام, فما إن رأتنا حتى سقطت مغشيا عليها, حمناها هي والطفلة وأنزلناهما دار حكيمة القرية تعتني بهما, كنا فضوليين لمعرفة حكايتهما وشغوفين بكشف السر الذي ألقا بهما إلى قريتنا, لكن الفتاة صامت عن الكلام ولم نعرف سوا أن الصغيرة أختها, أقامتا لفترة في بيت الحكيمة, كنا -شباب القرية- جميعنا قد سقطنا في هوى الفتاة, كنا نعشقها بالرغم من أننا نهابها! لا ندري مل أخافنا بها لكن كل شئ فيها بدا من جاذبيته مخيفا, عيناها إذا وقعتا عليك تشعر بشعور من حكم عليه بالإعدام بالرغم نم طربك لأنها تفضلت عليك بنظرة خاطفة من عينيها الكرستاليتين الغريبتين, كانت عيناها بلون كرستالي فضي يميل إلى زرقة باهتة, مزيج من الألوان يصعب أن نراه في الطبيعة فما بالك بنا نراه في هاتين اللجتين؟! مضت فترة وجيزة منذ قدومها لقريتنا الساكنة الهادئة حتى صاح أحدنا ذات صباح مشيرا إلى آثار مخالب على الثلوج, تفحصناها كانت الآثار منتشرة بجنون بين البيوت, كثيرة لدرجة تبعث في قلوبنا الرعب ثم تتجمع جميعها باتجاه الغابة القريبة من القرية, فحصت الحكيمة الآثار ثم همست وهي تفكر بعمق "ذئاب"!!! أصابنا الذعر, ذئاب تجوب قريتنا ليلا؟ لماذا؟ ومن أين أتت؟ وفي الايام التالية صار مستحيلا على أحدنا الخروج ليلا وحده أو حتى في جماعة, نجلس جوار الباب نسمع ضربات مخالب تلك الذئاب على الثلوج وزمجرتها المكتومة, نشعر بها تتشمم الوجه الآخر من الباب ثم تبتعد, عشرات من الذئاب أخذت تزورنا كل ليلة وبات عسيرا على القرية النوم وقد ولد طفل الخوف نبتة سريعة النمو في قلوبنا, مضى اسبوع واسبوعان والثالث كان خاتمته ليلة اكتمل فيها البدر وسكنت العواصف كليلتنا هذه, تكررت أصوات الذئاب ثانية ثم هدأت فجأة وساد الصمت, مضت برهه شقها بقسوة عواء ظافر طويل مرعب, ارتجفت له أوصالنا, بعده سمعنا صرخات الحكيمة ولعناتها, تارة غاضبة وتارة خائفة, فتحنا ببطء أبواب ديارنا نختلس النظر فرأيناهم...ذئاب فرائية بيضاء ورمادية ضخمة, التفت حول بيت الحكيمة ومنه أخذت تسوق حلم كل شاب في هذه القرية...الفتاة الغريبة, وقفت الفتاة بينهم عارية القدمين لا يسترها سوى قميص عاري الأكتاف والذراعين والساقين, هب النسيم مداعبا خصلات شعرها السوداء الفاحمة والذئاب من حولها تعوي, كدنا نموت فزعا, كاد الخوف يفتك بقلب اشد رجالنا, نهضت الذئاب تسير في تؤدة والفتاة تسير في المنتصف معهم,توقفت للحظة والتفتت إلى الحكيمة هامسة "اعتني بها" مشيرة إلى الطفلة ذات الربيعين, ثم اكملت طريقها, هبت رياح باردة محملة بالثلوج أحاطت الفتاة والقطيع وأخفتهم عن أبصارنا لثوان معدودة ثم هدأت الرياح وسكنت الثلوج واختفت الفتاة ورحل القطيع!!! لدقائق معدودة كنا صامتين متجمدين في أماكننا هتف أحدهم بصوت مرتجف "انها شيطانة" سرت همهمات خافتة مالبثت أن تعالت بقوة غزاها الخوف "شيطانة...نعم...شيطانة" بعيون مشتعلة ملتهبة التفتت الأنظار إلى الطفلة المتعلقة بثوب الحكيمة, وكأن التخاطر صار من صفات رجال القرية فاتجهوا إليها وحملوها بقسوة غير عابئين ببكائها ولا بصراخ الحكيمة, حتما هذه ايضا شيطانة, لنقتلها قبل أن تقتلنا, ومن بين رجال القرية كلها لم يقدم على الخروج إلا عدد محدود من أشدائها جروا الطفلة بعنف وقسوة نحو الغابة, ولم يعودوا إلا بعد.....دفنها .... ومن يومها كلما زرت قلب الغابة في ليلة مقمرة رأيتُ ما رأيتـَه هناك.............
{{ ساد الصمت ومن بعيد.....من قلب الغابة.....ارتفع صوت عواء حزين}}
بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
9/1/2013
اقترب من المدفئة أكثر إن أردت, خذ هذا الكوب..طعمه لذيذ..سيدفئك, والآن أروي لك حكاية ما رأيت {{ساد صمت قصير طقطقت فيه النيران ثم.....}} منذ 53 عاما كنت شابا من شباب هذه القرية وفي احد ايام الشتاء الباردة دخلت قريتنا فتاة منسدلة الشعر طويلة القامة, كان الشحوب والإعياء باديان عليها, تحمل بين ذراعيها طفلة صغيرة شاحبة لكن على الأقل حية, كانت متعبة لا تقوى على الوقوف او الكلام, فما إن رأتنا حتى سقطت مغشيا عليها, حمناها هي والطفلة وأنزلناهما دار حكيمة القرية تعتني بهما, كنا فضوليين لمعرفة حكايتهما وشغوفين بكشف السر الذي ألقا بهما إلى قريتنا, لكن الفتاة صامت عن الكلام ولم نعرف سوا أن الصغيرة أختها, أقامتا لفترة في بيت الحكيمة, كنا -شباب القرية- جميعنا قد سقطنا في هوى الفتاة, كنا نعشقها بالرغم من أننا نهابها! لا ندري مل أخافنا بها لكن كل شئ فيها بدا من جاذبيته مخيفا, عيناها إذا وقعتا عليك تشعر بشعور من حكم عليه بالإعدام بالرغم نم طربك لأنها تفضلت عليك بنظرة خاطفة من عينيها الكرستاليتين الغريبتين, كانت عيناها بلون كرستالي فضي يميل إلى زرقة باهتة, مزيج من الألوان يصعب أن نراه في الطبيعة فما بالك بنا نراه في هاتين اللجتين؟! مضت فترة وجيزة منذ قدومها لقريتنا الساكنة الهادئة حتى صاح أحدنا ذات صباح مشيرا إلى آثار مخالب على الثلوج, تفحصناها كانت الآثار منتشرة بجنون بين البيوت, كثيرة لدرجة تبعث في قلوبنا الرعب ثم تتجمع جميعها باتجاه الغابة القريبة من القرية, فحصت الحكيمة الآثار ثم همست وهي تفكر بعمق "ذئاب"!!! أصابنا الذعر, ذئاب تجوب قريتنا ليلا؟ لماذا؟ ومن أين أتت؟ وفي الايام التالية صار مستحيلا على أحدنا الخروج ليلا وحده أو حتى في جماعة, نجلس جوار الباب نسمع ضربات مخالب تلك الذئاب على الثلوج وزمجرتها المكتومة, نشعر بها تتشمم الوجه الآخر من الباب ثم تبتعد, عشرات من الذئاب أخذت تزورنا كل ليلة وبات عسيرا على القرية النوم وقد ولد طفل الخوف نبتة سريعة النمو في قلوبنا, مضى اسبوع واسبوعان والثالث كان خاتمته ليلة اكتمل فيها البدر وسكنت العواصف كليلتنا هذه, تكررت أصوات الذئاب ثانية ثم هدأت فجأة وساد الصمت, مضت برهه شقها بقسوة عواء ظافر طويل مرعب, ارتجفت له أوصالنا, بعده سمعنا صرخات الحكيمة ولعناتها, تارة غاضبة وتارة خائفة, فتحنا ببطء أبواب ديارنا نختلس النظر فرأيناهم...ذئاب فرائية بيضاء ورمادية ضخمة, التفت حول بيت الحكيمة ومنه أخذت تسوق حلم كل شاب في هذه القرية...الفتاة الغريبة, وقفت الفتاة بينهم عارية القدمين لا يسترها سوى قميص عاري الأكتاف والذراعين والساقين, هب النسيم مداعبا خصلات شعرها السوداء الفاحمة والذئاب من حولها تعوي, كدنا نموت فزعا, كاد الخوف يفتك بقلب اشد رجالنا, نهضت الذئاب تسير في تؤدة والفتاة تسير في المنتصف معهم,توقفت للحظة والتفتت إلى الحكيمة هامسة "اعتني بها" مشيرة إلى الطفلة ذات الربيعين, ثم اكملت طريقها, هبت رياح باردة محملة بالثلوج أحاطت الفتاة والقطيع وأخفتهم عن أبصارنا لثوان معدودة ثم هدأت الرياح وسكنت الثلوج واختفت الفتاة ورحل القطيع!!! لدقائق معدودة كنا صامتين متجمدين في أماكننا هتف أحدهم بصوت مرتجف "انها شيطانة" سرت همهمات خافتة مالبثت أن تعالت بقوة غزاها الخوف "شيطانة...نعم...شيطانة" بعيون مشتعلة ملتهبة التفتت الأنظار إلى الطفلة المتعلقة بثوب الحكيمة, وكأن التخاطر صار من صفات رجال القرية فاتجهوا إليها وحملوها بقسوة غير عابئين ببكائها ولا بصراخ الحكيمة, حتما هذه ايضا شيطانة, لنقتلها قبل أن تقتلنا, ومن بين رجال القرية كلها لم يقدم على الخروج إلا عدد محدود من أشدائها جروا الطفلة بعنف وقسوة نحو الغابة, ولم يعودوا إلا بعد.....دفنها .... ومن يومها كلما زرت قلب الغابة في ليلة مقمرة رأيتُ ما رأيتـَه هناك.............
{{ ساد الصمت ومن بعيد.....من قلب الغابة.....ارتفع صوت عواء حزين}}
بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
9/1/2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق