في كرسيه يجلس منذ حوالي ساعة كاملة ..... لا يفعل اي شئ سوى الجلوس, بالخارج شمس آفلة للغروب كست الأرض بلون أحمر دموي وكأنها ترثى لنفسها الرحيل, ببطء شديد تغيب في الأفق متوهجة من بعدي تاركة لونا قرمزيا باهتا على الكون, يتسلل برفق وبلا استئذان إلى داخل الحجرة يسبح في سماءها ويستكين لجدرانها وهو...مايزال جالسا في كرسية بلا حراك, عيناه مثبتتان على الهاتف منذ دهور, ببطء ينهض ويتجه بتثاقل إليه, يتحسس برودته بأنامله ويرفع السماعة إلى أذنه, بأصابع راجفة يرسم من الأرقام حلما وأملا لم يستطع الخلاص منه, يتجمد في مكانه وهو يستمع إلى الرنين المتواصل كخطوات الموت القادم نحوه تملأ أصداء جسده الخالي من الروح, ثوان عدّها كالقرون مرت, إلى أن أجاب الطرف الآخر في كياسة:
"آلو...."
حاول ابتلاع غصة في حلقه فعجز ونطق بصوت أجش:
"هل ((فلان)) موجود؟؟؟"
يسأل السؤال بخفوت واثقا من أن الإجابة ستكون "لا" ولدهشته كالعادة يجيب الطرف الآخر:
"انتظر لحظة من فضلك"
يسمع صوت وضع السماعة على الطاولة الخشبية وأصوات قادمة من هناك, يحبس أنفاسه في ذهول وترقب, بدهشة ينفجر عقله سائلا هل هو موجود؟ موجود؟ أحقا موجود؟ مستحيل.....موجود؟ صوت أقدام تقترب, السماعة ترفع من الطاولة, بالتأكيد هي الآن ملاصقة لأذنه, أفقدته اللهفة القدرة على الكلام ... فصمت, أتاه الصوت سائلا:
"من؟"
إنه صوته...حتما صوته...نعم...صديقه عاد....عاد....لا يصدق ذلك...بلا صوت يقول:
"هذا أنا"
هدوء حذر غلف المكان وسكن كل شئ, حتى دقائق الغبار في الجو تجمدت في مكانها, بتثاقل وملل يبدأ الكلام ومع كل حرف ينطقه يدرك أنه أخطأ وأن هذا ليس هو وأن آماله تحطمت دفعة واحدة, بصوت أشبه بالتوسل قاطعه قائلا:
"معذرة ولكني أريد ((فلان))"
ينفذ صبر الآخر فيجيب بعصبية:
"ماذا بك؟ أنا هو ماذا تريد؟"
لم يجب, من أركان حجرته المستترة بالظلام خرجت أذرع عديدة, تقيده وتمسك بتلابيبه, تضع على عينه غشاوة من الظلام وتسدل على قلبه ستارا سميكا عطن الرائحة من الوحدة, تدق على جوانب جسده الخالي لتتردد صدى الدقات داخل وحشة نفسه, ببطء وآلية وضع السماعة, لم يكلف نفسه عبء الحركة فالأذرع العديدة تجره بلا حول منه ولا قوة, تعيده إلى الكرسي الذي بات صديقه الوحيد, تقيده بلا اعتراض منه, تستمتع باستسلام روحه لها, تمتد مخالب الظلمة السوداء إلى خبايا عقله تبعثر الذكريات هنا وهناك, تقبض على شريط تـُرك وحده وكـُتب عليه "خطر" تعرضه أمام عينيه وتستلذ بأنينه العاجز, تهمس له كأفعى وتسكر عقله بذاك الفحيح
((ليس الفراق أن يموت ذاك الصديق, لكن الفراق الحقيقي أن يموت صديقك الذي عرفته وهو على قيد الحياة, أن يحتل مكانه شخص يدعي أنه هو, هو هو وأنت أنت لكن هو وأنت كنتما وانتهيتما وصار هو الآن خطا موازيا لك أنت فلا تحلم أن يلتقيا يوما))
يجمع ما بقي لديه من قوة ويصرخ حتى تتصدع حنجرته وتنفجر عروقه لعل أحدهم يسمع صراخه فيغيثه, والظلمة القاتمة تبتلع صرخاته بين ضحكاتها ومع كل نفس يدخل صدره تتغلغل هي في أعماقه, حتى يخفت صوته, يسكن نبضه, يذهب عقله, وتتربع هي بلا منازع عرش قلبه !
بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
21/2/2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق