كان لي صديق مقرب جدا منذ صغري, نشأنا معا وكبرنا معا, تشاركنا قطع الحلوى ولعب الكرة وحتى عقاب والدينا, نشأت بيننا أحلامنا الصغيرة وأخذت تكبر معنا حتى فرقتنا الحياة على وعد باللقاء وسار كل منا في طريقه بحثا عن حلمه, مرت السنون وكنا من فترة لأخرى نسأل عن أخبار بعضنا, تزوج منذ زمن وله شاب يافع وفتاة ناضجة وطفل مشاغب تحلو به حياتهم, استمر بيننا الود ولم نقطع جسر الصلة بيننا إلى أن فرقنا الموت, كنت أنا خارج سوريا منذ مايقارب الثلاث سنوات وكغيري خارجها أو داخلها راقبت الأوضاع المشتعلة في العالم العربي والمتحفزة الهادئة في سوريا إلى أن اشتعل الفتيل وانفجرت القنبلة, لم أفكر حتى في العودة إليها حتى أعرف نهاية هذا الصراع ولم أعرف معنى أن تفقد عزيز عليك يدافععن تراب وطنك الذي تخاذلت أنت عن الدفاع عنه ووقفت من بعيد تتفرج, مرت الشهور وانقطعت الاتصالات بيني وبين صديقي وبدأت في القلق لكني كغيري ممن لو يستيقظوا ليجدوا أنفسهم في قلب الحدث لم أعرف إلى أي مدى وصلت نيران الثورة ولم أدرك من احترق بها ومن مات دفاعا عنها ........ حتى وصلني نبأ الوفاة ! كان وقعه علي صادما كأنك فجأة دفعت بيدك إلى صدري وعصرت بقوة قلبي, لا أنسى طعم المرارة الذي ملأ فمي ولا الدموع التي لسعت مقلتي وقد تحولت ذكرياتي معه إلى صفعات تضرب جوانب روحي حتى توقفت أمام صورة صنعها له خيالي صريعا على الأرض تقطر منه الدماء برائحة المسك, فمازالت بي حتى حسمت أمري وكنت في طريقي إلى سوريا وطني باحثا عن أهله وقد صاروا الآن أهلي, لم يكن الطريق سهلا وما رأيته كان أبشع ما رأيت, بحثت عن وطني .... عن أرضي ....عن أهلي, فلم أجد سوى خراب ولم اسمع سوى أنينا ولم ألمس سوى رمادا, رمادا انشق ليخرج منه أبطال وأحرار صامدون مناضلون, شعرت بجسدي يتضاءل أمامهم, وبعد بحث طويل وصلت إليهم, لم يكن البيت بيتهم فقد سقط كأحياء كاملة تحت صواعق الأسد, كانت حجرة فقيرة يرثى حالها تكاد تكون عارية من الأثاث, استقبلوني فيها بحفاوة ومودة وكرم بالغ, رأيت الابن الأكبر يرتدي ثيابه ويحمل سلاحه فذهلت, هذا بالأمس كان صغيرا لا هم له سوى لعب الكرة, بات اليوم مناضلا حمل سلاحا أعرف يقينا أنه اثقل منه ابن العشرين ربيعا, انظر في وجوههم وأحدق في عيونهم عندها فقط أعرف أنني انا الصغير وليس هم, عندها فقط أخفض عيني في خجل أمام هؤلاء الأشبال, ماذا أساوي أنا بجوار هذه الاسود؟ فلأحمل سلاحي مثلهم او لأرضَ بدفن راسي في التراب شأني شأن النعام, أثناء جلوسي معهم وتبادلنا الحديث والذكريات وبسماتهم الراضية القانعة تضئ ظلمة الليل وهر صغير أخذ يتنقل في المكان نافخا صدره الصغير كأنه يقول انه ليس أقل شأنا من هؤلاء الأسود, سمعنا دويا عنيفا, صراخ اختلط بصوت المدافع وكاد يصمني, أصابني الفزع وظهر جليا على وجهي, هببت واقفا في مكاني لا أدري ما أفعل فإذا بالولد الصغير ابن العشر سنين يمسك بيدي مطمئنا وينظر في عيني بشجاعة: "لا تخاف الله معانا" وقعت كلماته علي وقع الصاعقة أبحث في قسمات وجهه الطفولي عن خوف أو فزع فلا أجد سوى شجاعة وثقة بالله, والله أنت ما رباك رجل أنت ابن لأسد رباه أسد, ضممته لصدري احمي شجاعته ورجولته الوليدة بجسدي الكهل لحظة تهاوى السقف فوقنا ليختفي كل ما كان ولا يبقى سوى الظلام!
من تحت الأنقاض خرجنا, لم أصدق نفسي, مازلت على قيد الحياة! بل وبأفضل حال لم أصب إلا ببعض الكدمات والخدوش وكذلك حال الشابين والفتاة وأمهم, لم أصدق أن أحدا قد ينجوا بعد تهاوي السقف فوقه ثم تذكرت قول الفتى "الله معانا" فسجدت شكرا لله, رفعت رأسي من السجود كأني ولدت من جديد, نسيت طعم الخوف ومعنى الفزع وكأن ضمي للفتى إلى صدري ربط على قلبي وأنزل عليه السكينة وكأنه نقل إلي ما بجوفه من قوة وشجاعة, تجمع الناس من البيوت المتداعية جوارنا يعدون الضحايا ويساعدون الجرحى, حمل الشاب سلاحه وتوقدت عيناه غضبا...قبل راس أمه وضم أخاه الصغير يخبره انه يعتمد عليه في غيابه, في ذهول نظرت إليه سائلا:"إلى أين؟؟؟" رد:"إلى المعسكر مع المناضلين.....أنا أثق أن نصر الله قريب" قلت له:"أذهب أنا وتبقى أنت هنا مع أخوتك ووالدتك فهم بحاجة إليك" تدخلت الأم بشجاعة:" لا تخف علينا فالله ولينا...اذهب ياولدي الله معك" ارى الأم الحنون تدفع بابنها دفعا إلى ساحة القتال وهي تعلم يقينا انه لن يعود, اخلقوا من طين مثلنا؟؟؟ أم تراهم كالملائكة من نور؟ سار الفتى وتبعه نفر من الشباب الواقف حولنا تدب أقدامهم على الأرض فأشعر بها تزلزلها وامتدت ظلالهم من خلفهم عمالق سود مخيفة, سرت معهم إلى المعسكر وهناك مدوني بالسلاح وجلسنا ننتظر وقتا مناسبا للانظلاق, كان الجو شديد البرودة وكنت اتدثر بمعطفي استمد منه بعض الدفء بعد تخدر أناملي, استند الفتى إلى جدار حجري بارد وأمسك بين يديه مصحفا يتلو منه بصوت شجي عذب ملك علي مسامعي فجلست جواره أرهف السمع, نظرت إليه فإذا بشئ في صدره أسفل ثيابه يتحرك, تصلبت عيناي أراقب ذلك الشئ حتى خرج الرأس الفروي الصغير بشوارب طويلة وعيون سوداء صغيرة, كان يرتجف من البرد, ربت الفتى على راس الهر بيده واستجاب ذلك له يمسح رأسه وشواربه في باطن كفه واستكان بين ثيابه يحرك أذنيه الدقيقتين في استماع وانتباه للقرآن الذي يتلى بصوت رطب, دارت عيناي بين السلاح القوي الخشن الجامد جوار الفتى والهر الصغير الضعيف في أحضانه أرى كيف جمع بينهما بقلب دافق مطمئن, سويعات انقضت والهر لا يفارق الفتى جالسا أو نائما ثم حانت اللحظة المناسبة وحملنا أسلحتنا وانطلقنا, تساقط منهم وتساقط منا, كبلناهم خسائر ثم انسحبنا نلملم أشلاء شهدائنا وبينهم وجدت جسدا صريعا تفوح منه رائحة المسك ومن صدر قميصه برز راس صغير هامد تخضب بالدماء, لم أبكِ فلو نسي طفلك يا سوريا معنى البكاء ونسيت فتياتك دقات الخوف فما نسيت أنا اني رجل خلقت من تراب هذا الوطن الذي سيصبح حرا عما قريب, ألا إن نصر الله قريب.
بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
18/2/2013
من تحت الأنقاض خرجنا, لم أصدق نفسي, مازلت على قيد الحياة! بل وبأفضل حال لم أصب إلا ببعض الكدمات والخدوش وكذلك حال الشابين والفتاة وأمهم, لم أصدق أن أحدا قد ينجوا بعد تهاوي السقف فوقه ثم تذكرت قول الفتى "الله معانا" فسجدت شكرا لله, رفعت رأسي من السجود كأني ولدت من جديد, نسيت طعم الخوف ومعنى الفزع وكأن ضمي للفتى إلى صدري ربط على قلبي وأنزل عليه السكينة وكأنه نقل إلي ما بجوفه من قوة وشجاعة, تجمع الناس من البيوت المتداعية جوارنا يعدون الضحايا ويساعدون الجرحى, حمل الشاب سلاحه وتوقدت عيناه غضبا...قبل راس أمه وضم أخاه الصغير يخبره انه يعتمد عليه في غيابه, في ذهول نظرت إليه سائلا:"إلى أين؟؟؟" رد:"إلى المعسكر مع المناضلين.....أنا أثق أن نصر الله قريب" قلت له:"أذهب أنا وتبقى أنت هنا مع أخوتك ووالدتك فهم بحاجة إليك" تدخلت الأم بشجاعة:" لا تخف علينا فالله ولينا...اذهب ياولدي الله معك" ارى الأم الحنون تدفع بابنها دفعا إلى ساحة القتال وهي تعلم يقينا انه لن يعود, اخلقوا من طين مثلنا؟؟؟ أم تراهم كالملائكة من نور؟ سار الفتى وتبعه نفر من الشباب الواقف حولنا تدب أقدامهم على الأرض فأشعر بها تزلزلها وامتدت ظلالهم من خلفهم عمالق سود مخيفة, سرت معهم إلى المعسكر وهناك مدوني بالسلاح وجلسنا ننتظر وقتا مناسبا للانظلاق, كان الجو شديد البرودة وكنت اتدثر بمعطفي استمد منه بعض الدفء بعد تخدر أناملي, استند الفتى إلى جدار حجري بارد وأمسك بين يديه مصحفا يتلو منه بصوت شجي عذب ملك علي مسامعي فجلست جواره أرهف السمع, نظرت إليه فإذا بشئ في صدره أسفل ثيابه يتحرك, تصلبت عيناي أراقب ذلك الشئ حتى خرج الرأس الفروي الصغير بشوارب طويلة وعيون سوداء صغيرة, كان يرتجف من البرد, ربت الفتى على راس الهر بيده واستجاب ذلك له يمسح رأسه وشواربه في باطن كفه واستكان بين ثيابه يحرك أذنيه الدقيقتين في استماع وانتباه للقرآن الذي يتلى بصوت رطب, دارت عيناي بين السلاح القوي الخشن الجامد جوار الفتى والهر الصغير الضعيف في أحضانه أرى كيف جمع بينهما بقلب دافق مطمئن, سويعات انقضت والهر لا يفارق الفتى جالسا أو نائما ثم حانت اللحظة المناسبة وحملنا أسلحتنا وانطلقنا, تساقط منهم وتساقط منا, كبلناهم خسائر ثم انسحبنا نلملم أشلاء شهدائنا وبينهم وجدت جسدا صريعا تفوح منه رائحة المسك ومن صدر قميصه برز راس صغير هامد تخضب بالدماء, لم أبكِ فلو نسي طفلك يا سوريا معنى البكاء ونسيت فتياتك دقات الخوف فما نسيت أنا اني رجل خلقت من تراب هذا الوطن الذي سيصبح حرا عما قريب, ألا إن نصر الله قريب.
بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
18/2/2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق