الخميس، 7 مارس 2013

بحيرة البجع

أغاريد العصافير مع أول شعاع نور في الفجر هي مايوقظه, هو إنسان يؤمن بأن للصباح قداسة وطهرا لا يجب تدنيسهما, يعلم أن للاستيقاظ فنونا ودروبا, ويثق بأن حالك حين تفتح عينيك كل صباح هو حالك حين تسلك دروب الحياة, يدع النافذة مفتوحة ليلا يخاطب منها القمر, وحين يتثاءب الكون في كسل نافضا عنه عباءة الليل المخملية, تقف العصافير على نافذته المفتوحة تتلوا ترانيم الصفاء والنقاء خارجة من أعماق السماء, ولأنه إنسان يحترم الطبيعة ويتذوق جمال هذا الملكوت, تخجل الشمس أن تشرق قبل استيقاظه وتلفح جسده بحرارتها, فتبعث إليه المراسيل أضواء هادئة ونسيما محملا بعبق الطبيعة تداعب جفونه برفق حتى يستيقظ, يفتح عيونه الحزينة وينهض, يبعثر بعض الحبوب على الأرض تحت النافذة ويبتعد يراقب الطيور تلتقط فطورها بسعادة, لخرير الماء في الصباح صوت عذب يكمل أغنية الكون الأبدية, يرتدي ثيابه ولا يتعطر مخافة إيذاء عطر الأزهار الطهور, في ركن الحجرة استقر الكمان الحزين الأبدي, حمله بحنو وتحسسه كطفل يحتضن دميته ليلا, خرج بهدوء كي لايزعج الصباح وسار في الشوارع الهادئة, تقوده قدماه إلي البحيرة منذ عشرين عاما كل صباح, هناك ملعب الطفولة وهمّ الشباب وعشق الحبيبة التائهة, هناك منبع الذكريات, يقف على أطراف الحديقة .. يغمض عينيه فما عاد بحاجة للرؤيا .. يطبق فمه فهو صام منذ أمد عن الكلام, يتنفس بعمق يستعيد شبابه من نضرة الثمار, يرهف السمع لتلتقط أذنه أغنية الحياة ومعها ينساب اللحن الهادئ إلى روحه ومنها إلى أصابعه, يحمل الكمان وبيد تجعد جلدها وترك الدهر ندوبه فيها بدأ يكمل لحنا ما قرأه يوما أو حفظه من كتاب, لحنا لقنته إياه الطبيعة وأهداه له الصباح النقي, انساب العزف بمهل ينسجم مع عزف الطبيعة, يكملها وتمكله, ذاك العزف الذي سارت عليه قوانين الكون وانتظمت به الطبيعة, عزف بصوت عذب كبراءة الصباح البكر, من أعماق البحيرة أتت أميراتها الحسان, على أطراف البحيرة سكنّ مسحورات, تستمعن إليه كما اعتدن كل يوم, الطبيعة تهمس والعزف يستمر والحسان مترنمات, حتى هدأ العزف واستيقظت الشمس من خدرها, أفاق الناس ودبت الحركة ونام السكون, فتح عينيه يتأمل جمهوره وبهدوء ينحني لهن, تراقبنه بعيون سود كليل مكلل بالنجوم وريشهن الأبيض يلمع تحت أشعة الشمس, ينسحبن ببطء على سطح الماء ويعدن إلى قلب البحيرة.. هناك ... حيث تمنى دوما أن يذهب معهن, انسحب كانسحابهن عائدا إلى غرفته الممتلئة به يرقب مقبل الليل يخرج من بين أحضانه الصباح.

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
5/3/2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق