بقدر ما أصل بذاكرتي الصغيرة إلى ذلك اليوم, لا أذكر كم كان عمري حوالي سبع أو ثمان سنوات, هي رذاذ من مشاهد وذكريات غير متناسقة ولا مترابطة حفرت في ذاكرتي من يومها ولم أنسها أبدا, كأني بها أعيشها الآن, استيقظت والكون مسربل والقوم نيام, لكن البيت ماكان نائما, فزعت وأنا أسمع صوت البكاء والدعاء و"إنا لله وإنا إليه راجعون" خارجة من تلك الشاشة الباردة الصماء, بقلب صغير ما أظن أنه كان قد وعي معنى الموت بعد شعرت بأن شيئا ليس على مايرام, خالطت دقات قلبي الضعيفة مصيبة المسلمين في يومهم ذاك, يوم ارتفعت إلى السماء روحك يا شيخنا أحمد ياسين, كنت أحفظ صورته عن ظهر قلب برغم حداثة سني من كثرة ما رأيته على التلفاز, كانت عيونه الهادئة وبسمته المشرقة ولحيته البيضاء رمز لعزة الإسلام والمسلمين بعقلي الصغير, لم أفهم معنى أنه مات, الليل نائم...الكون نائم...الموت نائم!!! فكيف به يموت؟؟؟ عائدا من صلاة الفجر جالسا على كرسيه وحوله الناس, كان هذا آخر ما فهمته وبعدها بدأت تحوم حولي الألغاز! صاروخ؟ موت؟ فجر ندي ملتهب برائحة البارود...تسبيح بعد الصلاة يعقبه بكاء بعد الرحيل...بسمة رأيتها على شفاهه حيا وميتا, صورة أشلاءه المتفحمة لا تغادر ذاكرتي حتى الآن, تجثم على أنقاض أفكاري الحائرة بلا رحمة, لحيته البيضاء التي أضاءت لهذا الإسلام الطريق, مالها تشارك الليل ظلمته, ماله لا يتكلم ماله لا ينطق ماله يبتسم بلا حراك وهم يكللون مثواه بالتراب المبلل بالندى, لم أفهم معنى أن يموت رمز الإسلام! حسبت الرمز حيا لا يموت!
لكني تعلمت أننا فانون وأن الله هو الباقي, وأن الله حي لا يموت, لو ذهب الجسد الفاني فالذكرى حية والطريق مرسومة والنجوم مهما اشتد الظلام تتلألأ بصفاء, ما للمسلمين من فاجعة يبكون عليها كفاجعة موت علم من أعلام الأمة أو رمز من رموز الإسلام, فبعض البشر لا يتكررون فهم شعلة تحترق لتضئ لنا الطريق, فالعيب كل العيب والعجز أيما العجز أن نحيد عن الطريق بعد أن أفنى العظماء حياتهم يمهدونه لنا, فرحمة الله عليك ياشيخنا وعلى كل من سار على نهجك واحترق من أجل أمة الإسلام.
بقلم:غفران حبيب
21/3/2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق