الخميس، 27 ديسمبر 2012

المطر







وقفت لبعض الوقت اراقب الناس من حولي وهم يركضون هنا وهناك, امرأة تحمل جريدة وضعتها فوق رأسها ورجل خبأ طفله في احضان معطفه ويركض, قطة ركضت ودخلت في برميل على جانب الطريق, سمعت صوت صراع ومواء وخربشات فقد كانت هناك قطة اخرى داخل البرميل ثم هدأ الصوت رويدا رويدا, من الواضح انهما رضيا بالجلوس معا واستكانت كل منهما الى دفء جسد الاخرى , جرو صغير ينبح بصوت ضعيف جاءت والدته وحملته الى احد المخابئ واخذت تنظفه والمسكين يرتجف, صوت الرياح يصفر في اذني والتصقت خصلات شعري المبللة بجبيني بعضها طويل غطى عيني, نظرت حولي..لقد صرت وحدي ف الطريق, خلعت معطفي وتركته يسقط ارضا, رفعت رأسي الى السماء وتركت قطرات المطر تضرب وجهي برفق وتنساب من ياقة قميصي الى جسدي, شعرت ببرودة تلك القطرات وهي تسيل على صدري وظهري الدافئين وبعضها كان يدغدغني. كانت شفتاي منفرجتان قليلا فشعرت بطعم المطر العذب يمحو جفاف حلقي, حاولت فتح عيني ولكن الماء دخل فيهما واحرقهما فأغلقتهما بشدة وظللت واقفا هكذا بلا حراك, كانت قطرات المطر الباردة تنساب على اجفاني المغلقة برقة وكأنها تواسيها وبرغم ذلك شعرت بقطرات ساخنة ملتهبة على وجهي, تهرب بسهولة من بين اجفاني المسبلة وتتلاقى القطرة الباردة الخجولة من المطر مع دمعتي الحارة فيمتزجان معا وتذوب كل واحدة منهما في الاخرى ثم يمسحان بدفء على وجنتي, تسللت احداها بين شفتي فشعرت بها دافئة جمعت بين عذوبة المطر وحمضية الدموع في تناغم عجيب, انهمرت دموعي اكثر واكثر..لكم احب المطر فهو المكان الوحيد الذي لا يعرف احد فيه انك تبكي..المكان الوحيد الذي تبكي فيه وتبكي ولا تلاحقك العيون والنظرات ولا تمزق خناجر الشفقة كرامتك بلا رحمة, عندما تسير في الشارع وبدون اذنك تخرج دموعك للعلن, ترى طفلة صغيرة تنظر اليك برقة وبراءة والحزن في عينيها لمرأى دموعك ثم تجذب معطف والدتها وتهمس:"لماذا يبكي هذا الفتى؟" فتسحبها والدتها بعيدا وهي تحرقك بنظرات الشفقة, وماذا عن اثنين مثل الزهور مشيا متقاربي الرأسين متهامسين تتشابك اصابعهما وعندما يرياك تفيض الشفقة من عينيهما فتكوي صدرك وتقبض قلبك وتضغط عليه بقوة وقوة حتى يكاد يلفظ انفاسه الاخيرة, تهرب من امامهما فينسياك ويعودان ثانية الى همسهما, عندها تعلمت..تعلمت الا ابكي ثانية امام احد..تعلمت ان احبس دموعي وابتلع المرارة التي تدمي قلبي ولكن لا يجب ان تظهر امام الناس والان انا وحدي تحت المطر..فقط انا والمطر..دع برودته الحلوة تطفئ نار دموعي المتأججة, تمتد يدي لتفتح ازرار قميصي وأترك المطر البارد يضرب صدري لعله يمحو بعضا من المي, ودموعي ماتزال تنهمر, من قال ان الدموع جميعها بطعم واحد؟! كل دمعة لها طعم يختلف عن الاخرى, دموع الخوف باردة في طعمها حتى ولو كانت حارة في اصلها, ودموع القهر مرة تمزق جوفك, اما دموع الالم فهي ملحية بطعم الصدأ تماما كطعم الدم, من قال ان الدموع جميعها بطعم واحد؟! ان من قال ذلك لم يجرب البكاء في حياته قط, لكن الدموع المتناغمة مع المطر لها طعم مختلف يمسح كيد حانية على الجرح فيشفيه, انه جميل..دافئ..ناعم..حنون

ما اجمل البكاء تحت المطر!

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



الأحد، 23 ديسمبر 2012

طفل في الظلام



بين ثنايات الظلام وطيات السكون المخيم تحرك جسد حركات خافتة مالبثت أن سكنت, لم يقطع الهدوء سوى صوت أنفاس متقطعة متهدجة بدت وكأن الموت يجثم بثقله على صدره يعد عليه الأنفاس, دخل شعاع فضي للقمر الغرفة, التمع على دمعة ولدت من بين جفنيه المسبلين, اختفى قبل أن تموت الدمعة على أطراف شفتيه, ثانية مرت بين مولدها ومماتها ضن بها عليه الضياء فاختفى قبل تمامها, شعر بيدين للظلام بل بأيدي عديده تعبث به,تمتد إلى جنبات روحه وأعماق قلبه الصغير المتألم, تملأ عقله وتسيطر على أطرافه الباردة الهامدة يأسا, صرخ فلم تخرج صرخاته ولم تعبر الشفاه, بداخله طفل صغير جلس متسع العينين, أخذ يتحسس برهبة الظلام, يدير عينيه هنا وهناك, يرتجف من وحشة الفراغ, عض على شفته السفلى, ارتجفت يداه وانقبض قلبه بألم, كوى الألم عقله فقرر وترك للطفل داخله العنان, انفجر الطفل في البكاء والصراخ, يبكي فزعا من الظلام, يصرخ بلا جدوى في الفراغ, تألم لبكاء الصغير, لف ذراعيه حول نفسه يحتضنه.......فلم يحتضن سوا الهواء, أحكم غلق ذراعيه على صدره يرجو الطفل أن يكف عن البكاء, تمنى لو يساعده ولكن هيهات, أأبكى الطفل سوا الظلام؟ أأبكى الطفل سوا الفراغ؟ أأبكى الطفل سوا قسوة الحياة؟ شعر برغبة في الاحتواء, شعر بلهفة للضياء, شعر بشوق للذهاب إلى السماء, الطفل يبكي يذرف روحه مع الأنات, ترك الطفل يفعل ماعجز عنه الجسد انصياعا لقوانين الحياة, تركه يفعل مايشاء, يبكي ويصرخ ويركل الجدران, ركلاته بدت كقنابل مدوية على جدران صدره لم يملك أمامها سوا الاستسلام, صرخات الطفل تهزه, فليصرخ علّه يسكن ذلك الألم, دموع الطفل تلهبه, فليبكي علّه يغسل مرّ الذكريات, صوت بكاء الطفل يتهدج ويخفت, يجهش ببكاء منخفض متقطع الأنفاس, مابالهم لا يرحمون طفلا صغيرا.....طفلا بريئا.....لم يذق دنس الخطايا والخيانات؟ ألم يعلموا أن بداخله طفل لم يرد من الحياة سوا الحياة؟! أيرضون أن يقتل أطفال أرواحهم بلا ذنب إلا أنهم أتوا لهذه الحياة؟! ضم ركبتيه إلى صدره ودفن رأسه بينهما, اختفى جسده بين طيات الظلام, خفت صوته...وخفت....وخفت....نم أيها الطفل الصغير فعذرا.....بيننا من بخلوا على أطفال مثلك بالحياة.

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
23/12/2012


الجمعة، 21 ديسمبر 2012

"نصل لامع"

"أخيرا" نطق عقلي هذه الكلمة براحة وشئ من الطرب والانتصار, وبين يدي أخذت أقلب كنزي الثمين, مقبض كبير وثقيل تلتف حوله أصابعي فيملأ يدي في ثقة, أحركه فينعكس الضوء على نصله الرشيق اللامع, لماذا يبعدونني عن هذه المعجزة؟! إنها.....إنها.....إنها جميلة, أذكر أنني مرة عندما كنت صغيرا جلست أشاهد أحد الأفلام, كان هناك الكثير من الدماء والصراخ لكن ماجذب انتباهي ذلك النصل الصغير اللامع, يبدو بريئا بارقا من بعيد لكنه في الحقيقة.....حقا لا أدري, تذكرت.....أمي لديها مثله في المطبخ, انسللت بسرعة إلى المطبخ ووقفت في هيبة ووقار أحدق في تلك النصول التي تلمع في الظلام بضوء الحجرة المجاورة, مددت يدي الصغيرة المرتجفة أسحب إحداها, تحسستها أولا بأناملي وسرت قشعريرة في جسدي من برودة تلك النعومة, قررت والتفت أصابعي ببطء حول النصل, تأكدت من إحكام غلق يدي عليه حتى لا يهرب, قبضت بقوة وسحبته من مكانه, في تلك اللحظة أضئ النور ودخلت أمي وارتفع صراخها, أنظر لتلك الدماء التي تقطر على الأرض وأنا أتساءل عن مصدرها! وأمي مستمرة في الصراخ, لا أذكر جيدا ماحدث بعدها لكني كنت في أشد الضيق والغيظ لأنهم أخذوه مني, والآن أنا وهو وحدنا, لطالما كنت مغرما به, كيف يفعلها؟ كيف يتظاهر بهذه البراءة وهو يستطيع عمل المعجزات؟ لماذا لا يخبرني؟ تك...تك...تك...صوت تلك القطرات يزعجني حقا, أنظر إلى لونها الأحمر القاني وأبحث بحيرة عن مصدرها, رسغي ينتج المزيد من ذلك السائل الأحمر اللزج والنصل أيضا تخضب بهذه الحمرة, ياله من رائع إنه قوي حقا! في لحظة كان باب الغرفة مفتوحا على مصراعيه وأنا أتمدد أرضا وفوقي رجلان, سحب أحدهم النصل من يدي فتأففت في تذمر, أصوات تصرخ وتتصايح:

"من أعطاه السكين؟"
"من أين يأتي بكل هذه السكاكين؟"
"سيقت نفسه مرة لو لم نصل في الوقت المناسب"
"أطباء أنتم أم غفراء؟ ماذا سيحدث لو قتل نفسه؟"
لم تعد تهمني أصواتهم سأنتظر خلوتي التالية في صبر مع نصلي الحبيب.

بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
29/11/2012

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

ليلة ذكريات


رن هاتفي المحمول فنهضت إليه في تكاسل, نظرت إلى الاسم الظاهر في استغراب أنبش قبر ذكرياتي بحثا عن هذا الاسم وصاحبه فمن المعروف عني ذاكرتي القوية في تذكر الأسماء, فلو أني توقفت عن ذكر اسمي اوتوقف الاخرون عن مناداتي به لبعض الوقت لنسيته!!! "باسم" كان الاسم يبرق امامي على الشاشة الصغيرة ومعه بدأت ذاكرتي تعود إلي, أيام ثانوي, عماد وباسم وأنا, أذكر الهروب من المدرسة وتسلق سورها وعم محمد يركض خلفنا بسنوات عمره الستين وعصاته الغليظة وعيناه تقدحان شررا, أوقفت ذكرياتي قبل أن يتوقف الهاتف عن الرنين ورفعته إلى أذني مجيبا :"آلو...." اخترق أذني صوت باسم الجهوري:"ياسر,كيف حالك يا صديقي؟ اشتقت إليك كثيرا" وكعادته منذ معرفتي به لم يمهلني فرصة الإجابة على سؤال أو تحية وأنا أختلس الثواني التي يأخذ فيها أنفاسه لأتحدث قبل أن يقاطعني ثانية:"أنا آت اليوم إلى الاسكندرية وعماد موجود فيها منذ يومين ففكرت أن نتقابل" كنت أصغر إخوتي والأعزب الوحيد بينهم لذلك أعيش مع والداي ولحسن الحظ كانوا مسافرين لمكان ما -لا أذكره بصراحة- لشئ ما - لا أعرفه أيضا- المهم أن الشقة مفتوحة لاستقبال صديقي طفولتي ليومين, لن يمانع أحد وهكذا اتفقنا وفي اليوم التالي كان ثلاثتنا في صالة المنزل نتبادل العناق والقبلات, تغيرنا حقا وصرنا رجالا برغم أننا كنا بالأمس صبية يظهر الزغب الخفيف فنفخر به كشارب رجل بتنا نجزه جزا الآن,بدلا من تلك الشعور المرتبة والثياب المتناسقة كنا نرتدي الشورت والكاسكيت الملطخين بالطين بعد لعب الكرة ونتسابق بدراجاتنا, جلسنا معا نسترجع الذكريات ونختلس من الزمن بضع لحظات حلوة لا نظن بأنه يضن علينا بها, وبما أننا لا نجيد الطهي طلبنا الطعام من أحد المطاعم وبعد ساعة رن جرس الباب, نهضت لأفتح, كان السلم مظلما تماما ولا أثر لأي إنارة ولم أستطع رؤية الرجل الذي أمامي إلا من ضوء الشقة المنبعث من خلفي, كان يرتدي كاسكيت يميل على وجهه راسما ظلا قاتما حاجبا عينيه عني, شعرت بالضيق وبرغبة في رفع الكاسكيت إلا أن ذلك كان خروجا سافرا عن حدود اللياقة, لم يرحني ذلك الشخص كثيرا خاصة أنه لا يتحدث بل يتعامل كآلة, أخذت منه الطعام فاقشعر بدني عندما لامست برودة أصابعه, يستحيل أن يكون لأحد أصابع في هذه البرودة, قد تصل برودة أصابع بعض الناس إلى ذلك الحد شتاء.....لكن المشكلة أننا في منتصف شهر يوليو!!! أخذت الطعام وأخبرته بأني ذاهب لإحضار النقود وبالطبع أغلقت الباب, عندما عدت فتحت الباب وأنا منهمك في ترتيب الأوراق النقدية المبعثرة بين يدي, رفعت رأسي لأجد السلم مضيئا وليس هناك أحد! خطوت خطوتين خارج الباب أنظر إلى السلم حتى باب البناية فلم أجد أحدا! عدت إلى الداخل أضرب كفا بكف واتصل بالمطعم أخبرهم أن الععامل أحضر لي الطعام ولم يأخذ النقود, فرد علي عامل الاتصالات في المطعم الذي يكره نفسه جميع الزبائن والمتصلين ببرود أن الطلب الذي طلبته لم يتم إرساله بعد وربما يـاخر قليلا, صعد الدم إلى رأسي فصحت به أن يلغي الطلب وصفعت السماعة في وجهه, أنا لن أتوسل إليهم ليأخذوا نقودهم, عدت إلى عماد وباسم بالطعام وهما يلعبان الورق وسألاني عما حدث, حطيت له ماحدث بسرعة واستخفاف فانفجر باسم ضاحكا أما عماد فرمقني بنظرة صامتة لم أفهم حقا معناها, واستمرت السهرة بين أكل وضحك ولعب وذكريات, خيل إلي سماع صوت رياح ولكني لم آبه فمن المستحيل أن توجد رياح في مثل هذا الجو الحار الخانق, بعد وقت قصير بدأت أسمع زئير الرياح, لاشك في ذلك هناك عاصفة وقبل أن أدرك أو أسأل كانت أوراق اللعب تتطاير والنوافذ والأبواب تغلق بقوة وصوت مفزع, نهضت إلى النافذة افتحها فلم يقابلني سوى لفحة هادئة من نسيم عليل ترطب حرارة الجو! من أين أتت الرياح؟ قبل أن أنطق بالسؤال بدا على عماد أنه فهمني فأشار لأوراق اللعب, نظرت إليها في حيرة ثم فهمت لتزداد حيرتي! كانت الأوراق متناثرة.....باتجاه النافذة! ومن الطبيعي أن تتناثر عكس اتجاه الريح فلو نظرنا لوضعها ذاك لوجدناها تقول ببساطة أن الريح كانت آتية من اتجاه الباب لا النافذة! وهذا مستحيل فباب الغرفة يؤدي إلى بقية أرجاء المنزل وأنا طوال حياتي في هذا البيت لم أر قط اعصارا مارا بصالة البيت أو عاصفة قادمة من المطبخ مثلا! تبادلنا أنا وعماد النظرات غير فاهمين في حين نهض باسم يلملم الأوراق قائلا:"لعل الرياح أتت من شرفة صالة المنزل" لم ننبس ببنت شفة وبعد مرور دقائق كدنا ننسى ماحدث وعدنا لضحكنا وصخبنا ثانية وضحكات باسم المجلجلة تكاد تهز أساسات البيت, لكم اشتقت فعلا لضحكته الخالية من الهموم, كان أكثرنا بساطة وتفاؤلا لا يمكن لشئ أن يعلو فوق صوت ضحكه, وفي تلك اللحظة كانت تعلو ضوضاء فوق صوت ضحكته, صوت ارتطام عنيف يتبعه ثان وثالث, طرقات قوية قادمة من خارج الغرفة, أصوات مختلطة وغير مفهومة, حبسنا أنفاسنا وتبادلنا النظرات برهة عندما سكن الصوت وفجأة دوى صوت وكأنه انفجار قنبلة لنهب مفزوعين, خرجنا إلى الصالة نتتبع مصدر الصوت لنجدها إحدى الغرف التي أغلقت الرياح الغامضة بابها, اقتربنا ببطء فسكنت الأصوات وضعت يدي على المقبض وأدرته ببطء ودفعت الباب, أصدر الباب صريرا رغم أني لم أعتد منه على ذلك الصرير المفزع, قابلتني زوج من العيون المتسعة الفسفورية, سقط قلبي في قدمي وكدت أصاب بنوبة قلبية, تحسست أصابعي الحائط بجنون بحثا عن مفتاح النور اللعين, أين ذهب؟ أخيرا أضاء النور الغرفة ورأيت ذلك الشبح صاحب العينين الفسفوريتين, كانت قطة صغيرة سوداء اللون لها عينان مرعبتان حقا لكن في تلك اللحظة كانت من أجمل ما رأت عيناي, فهذه إحدى الكائنات ((الـأرضية)) التي خلقها الله سبحانه وتعالى, تنهدنا في راحة وابتسمت وأنا أحملها بين يدي "إنها قطة" وأطلقتها على السلم, عدت إلى الغرفة ثانية, كان باسم غارقا في الضحك من الخوف الذي أاصبنا بينما بدا جليا على عماد من ضحكته الصفراء أنها لا تزيد عن كونها مجاملة لا أكثر, مضى الوقت بطيئا ثقيلا وبدا ان هذه الليلة لا تريد أن تمر, فقدنا مرحنا ورغبتنا في الكلام ولكن باسم ل يظهر عليه تأثر, بعد دقائق سمعنا نفس الضوضاء السابقة من غرفة أخرى مغلقة, هرعنا إليها نفتحها وتقابلنا عينان فسفوريتان من جديد ويقطع السكون صوت مواء بدا كأنين طفل تطحن عظامه, انتصب جلد ساعدي من ذلك الصوت وأنا أهتف باستنكار:"قطة!!!" لم يعد هذا منطقيا فالشقة في الطابق الرابع وتحيط بنا أبنية أخرى لا أدغال ولم يحدث يوما أن صار بيتنا مزارا للقطط السوداء فسفورية العيون التي تصدر ضوضاء في الغرف المظلمة, هذه المرة حلمتها باشمئزاز وألقيتها خارجا بشئ من العنف صافقا الباب خلفها بينما عيناها الكريهتان ترمقانني بتهديد ووعيد,عدت فرأيت عماد وباسم متصلبين أمام باب الحمام المغلق يرهفان السمع والإنصات, سأجن حتما الليلة, لقد صار بيتي حقا حديقة حيوانات, لا أتعجب إذا وجدت قردا يتسلق النجفة أو زرافة تطل برأسها من المطبخ, اندفعت إلى باب الحمام كالبلدوزر أفتحه برغم أني لم أسمع الضوضاء, انتظرت أن تصطدم عيني بعيون فسفورية ثانية لكن فجأة.............أصابني العمى! استغرقت برهة لأكتشف أن الكهرباء انقطعت ولست أنا من أصيب بالعمى, استدرت بعيني بحركة لا معنى لها في هذا الظلام أبحث عن عماد وباسم, أمسكت يد مرتجفة بقميصي بينما تلاقت عيناي بعينين فسفوريتين كبيرتين مشقوقتين بالطول, كانتا تنذران بشر أكيد, مستواهما أعلى من مستوى قطة, موضعهما موضع عيني إنسان, سمعت صوت عماد المرتجف المتشبث بي:"باسم............." دوى صوت عواء لا مواء من صاحب العينين الفسفوريتين الذي لا نراه ومن الواضح أنه باسم! طال العواء المنذر بالويل وبدا كتهديد وفجأة وقبل أن ندرك جاءت تلك اللحظة وكان الانقضاض...................................

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
17/12/2012


الأحد، 16 ديسمبر 2012

نجوم السما





لَا تَنْظُر إِلَى عَيْنَي 

تُوقِعُنِي بَيْنَ الشّبَاك

ولَا تَعْزِفْ عَلَى قَلْبِي 

بِشُعَاعِ نُورٍ مِنْ ضِيَاك 

فَثَغْرُكَ البَسّامُ يَا فَتَاي 

لَا يَنْسَى أَنّ الدّهْرَ أَبْكَاك 

لَا تُجَادِلْنِي بِلُغَةِ العُيُونِ 

وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْهَا فَمَا دَهَاك 

تَخُوضُ بَحْرَاً هَائِجَاً بِلَا 

سِلَاحٍ وبِمَوْجِهِ العَاتِي مَحَاك 

عُيُونِي نَجْمَةٌ فِي السّمَاءِ 

تَرَاهَا يَا صَغِيرِي وَلَا تَرَاك 

فَلَا تَحْلُمْ بِالوُصُولِ يَوْمَاً 

أَلِإِبْلِيسَ أَنْ يَظْفَرَ بِالمَلَاك؟ 

قُصّي عَلَيْه يَانُجُومَ السّمَا 

أَيَاقَمَرُ هَل سَعَى أَحَدٌ لِرِضَاك 

أَيَالَيْلَ الدّجَى النّاعِم احْكِي 

قِصّةَ عَاشِقٍ يَوْمَاً دَعَاك 

يُلْقِي بِهَمّه فِي أَحْضَانِكَ 

يَرْوِي مَعَ الدّنْيَا عِرَاك 

يُصَارِعُ دَمْعَاً جَفّ مِنْ مُقْلَتَيْن 

يَبْكِي دَهْرَاً عَلَى ثَرَاك 

أَيَا عَاشِقَاً فِي الهَوَى تَعَقّل 

فَمَا العِشْقُ قَلْبٌ يَسْقُطُ فِي هَوَاك 

العَشْقُ ثَوْبٌ ارْتَدَاه الأَصِيلُ 

لِشَمْسِ الغُرُوبِ وَلَمْ يُشْبِه رِدَاك 

((بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة


السبت، 8 ديسمبر 2012

رسالة اعتذار





فجأة!!! اشتعلت داخلها مشاعر جياشة وتزاحمت الأفكار في رأسها بقوة يدفع كل منها الاخر, يريد أن يحتل الصدارة, فهمت ماهية ذلك الشعور .. تركت كل ما في يدها وانطلقت كالصاروخ تمسك قلمها بيد وتبحث عن ورقة فارغة باليد الأخرى, تحاول اللحاق بكل تلك الأفكار التي تتدفق بشدة في رأسها, مس سن القلم المدبب مطلع الورقة بلهفة, ثم ساد الصمت.......
وكأن يدها قد شلت, الافكار ما تزال تتزاحم في رأسها ولكنها لا تستطيع الإمساك بإحداها وحتى لو أمسكت بها ,تجدها مهشمة مشوهة لا ملامح لها وتنسل منها بخفة وتختفي كغيرها من الفكرات, ظلت دقائق متجمدة بلا حراك ثم زفرت بقوة, نهضت وأغلقت الأضواء, جلست على مكتبها في الظلام وقد تناثرت الأوراق البيضاء أمامها أشعلت شموعا حولها وأرخت أعصابها, أمسكت بالقلم ثانية تحاول التركيز وعندها......
انفتح صندوق ذكرياتها ليس الصندوق نفسه فهو دائما مفتوح لكن جزءا منه مغلق بأقفال وفي هذه اللحظة تجرأت المفاتيح وانكسرت الأقفال وانفتح الصندوق على مصراعيه كباب من أبواب الهلاك, ذلك الجزء الذي تحتفظ فيه بذكريات الأنانية والنرجسية والقسوة البشرية, تلك الذكريات... لقد فطنت الآن إلا كم هي مؤلمة, كادت تجن وهي تحصي عدد الناس الذين سحقت مشاعرهم في طريقها بانتباه أو بدونه ولكن النهاية واحدة, لقد انسحقت تلك المشاعر وتعذب اولئك البشر, أخذت تتلوى في مكانها تمسك رأسها بين يديها وصورهم واحدا تلو الآخر تمر في رأسها والعيون تحمل نظرة واحدة...نظرة اتهام, بعضهم انزوى في ركن يضمد جراحه وينعش مشاعره التي سحقتها وبعضهم ماتت مشاعرهم للأبد! لم يكتف صندوق الذكريات بتعذيبها بصورهم فقط بل أخذ يجلدها بكل موقف ارتكبته في حق واحد منهم, أغلبها كان رغما عنها أو بدون انتباهها, لكن الصندوق لم يرحمها, استمر يكويها بالذكريات التي ابتلعها لسنوات, لم تكن تلك المواقف كبيرة بل بالعكس كانت صغيرة, بل غاية في الصغر, كانت كلمة, نظرة, همسة, حركة, التفاتة, أخذ الألم يرتسم على ملامحهم واحدا تلو الآخر, بعضهم استغرق في الألم والآخر محاه لتشرق ابتسامة, لكنها الآن أدركت أنه مازال يتألم في داخله, يالذلك الوحش الذي عاش داخلها, يالتلك القسوة والأنانية, إنها كائن قاس ومن شدة قسوتها تسبب بألم البعض دون علم منه أو انتباه وكأن مشاعر الناس شئ مستباح يسحق وقتما نشاء, وبلا ثمن!
انطلقت منها صرخة ألم حادة أرغمت الصندوق على الإنغلاق والأقفال على الإلتحام والمفاتيح على الإختفاء, نظرت أمامها على أضواء الشموع المتراقصة فوجدت قلبها على الأوراق الخاوية يحتضر, لهثت بإعياء وهي ترجوه أن ليس الآن, أمسكت به تضعه في التجويف الفارغ في صدرها ولكنه أبى الثبات فثبتته بيد واليد الأخرى تتحرك بسرعة على الأوراق البيضاء, تغمس أصابعها في بدمها وتكتب لكل من جرحته رسالة اعتذار, والشموع تنطفئ واحدة تلو الأخرى حتى انطفأت جميعها وساد الظلام, وأعلن الصمت بكبر أنه لا مكان للكلام.
بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



الاثنين، 3 ديسمبر 2012

مدمن أفلام رعب







برد وظلام والجو رطب رائحته عطنة, عواء مذئوبين يتناهى إلى مسامعه, يسمع حفيف عباءات مصاصي الدماء في الخارج ومن حين لآخر ترتفع صرخات المسوخ الهادرة لتهز أساسات ذلك القصر القديم, بصيص خفيض من الضوء يدخل من نافذة مرتفعة فيضئ ذلك الممر الذي يسير فيه بضوء باهت ويلقي بالظلال في كل الأركان, يراها تتراقص على الوجوه المرسومة في اللوحات فتبدو وكأنها تراقبه, يشعر بكل تلك التماثيل والدروع تتحرك, نعم انه يسمع صوتها المعدني خفيضا, بالتأكيد تتحرك, يسير في ذلك الممر الطويل وقلبة يختلج في أحضانه ليس ذعرا, بل إثارة, يعلم في عقله الباطن أن هذا حلم وسيستيقظ ليجد نفسه آمنا في فراشه, يشعره ذلك ببعض الطمأنينة فيفسح الخوف مكانا للانبهار والإثارة, برغم ذلك فقد أرهف حواسه وتحفزت عضلاته وهو يسمع صدى خطواته في أرجاء القصر الخالي, يجد بابا فيفتحه بصرير يجمد الدماء في العروق, الغرفة غارقة في الظلام وفجأة تفتح آلاف العيون اللامعة الصغيرة وتتساقط تلك الكائنات من السقف والجدران زاحفة فوق حذائه, يرفسها برجله ويركض بقوة, ينظر خلفه كل فترة وفترة في محاولة يائسة للرؤيا, ماهذا؟ إنه يسمع صوت خطوات أخرى غير خطواته, لهاثا أخر لأحد غيره, وفجأة........ طراااااااااااااخ, ارتمى أرضا بقوة, أمسك رأسه بين يديه وأخذ يتلوى من الألم, رفع رأسه ليرى ماصدمه, وجد بابا أصغر وأحقر من كل أبواب القصر بلا مقابض أو أقفال أو حتى مفتاح, تساءل في حيرة عن كيفية وصول هذا الباب لهذا المكان, هو متأكد أن الممر كان مفتوحا, لقد رآه منذ ثوان قبل أن يلتفت خلفه ويصطدم, كيف أتى هذا الباب إلى هنا؟ أخذ يتحسس الباب في الظلام فارتطمت أصابعه بنقوش تشبه الحروف قرأها "كونت الرعب الأعظم" شعر باللهفة والفضول, أخذ يدفع الباب بقوة لعله يفتح فلم يستطع, مر بأصابعه على الحروف ثانية ليتأكد من أنه لم ينس قراءة شئ ولكنه تجمد, لقد تغيرت الكلمات, انمحت الكلمات القديمة وظهرت أخرى تبدو مغبرة عتيقة كسابقتها رغم أنها لم تكن هنا منذ ثوان, تحسسها وهويرتجف فوجد "لا تحاول ياجبان" غضب وركل الباب بقوة فهو ليس بالجبان ثم تحسس الكلمات ثانية" البلاهة مفتاح الباب والشجاعة للبلاهة مفتاح" أخذ يفكر في معنى الكلمات ثم بلا وعي دفع الباب فانفتح بسهولة وكأنه لم يكن مغلقا من البداية, دخل الغرفة فوجدها مضيئة تبدو نظيفة بخلاف القصر كله, سمع صوت الباب يغلق خلفه, التفت فلم يجد الباب, لقد تحول لجدار, شعر بالذعر وعاد ينظر إلى الحجرة ثانية فلم يجدها لقد اختفت الحجرة كما اختفى الباب, سبح في الفراغ والظلام وصرخات تتناهى إلى اسماعه وضحكات وهمسات وزئير وعواء ونباح وصرير أبواب...................


انتفض بقوة وفتح عينيه فوجد أنهما مايزالان مستلقيين على العشب متعانقي الأيدي في العراء, رفع رأسه إلى السماء فرأى الليل بعباءته المخملية تزينه حبات من اللؤلؤ والألماس وبحث عن القمر فرآه يظهم من خلف سحابتين داكنتين وقد احمر لونه في حنق وغضب, حار لذلك المشهد ولكنه أفاق على اليد الباردة المرتجفة في أحضان يده الدافئة, نظر إليها في حيرة فرآها....جميلة كالحلم....رقيقة كالفراشة.....رشيقة كالغزالة.....كانت مستلقية بجواره على العشب الندي يرتجف جسدها بطريقة ملحوظة وقد امتلأت عيناها بالدموع وانفرجت شفتاها الجميلتان عن صرخة صامتة لم تتجاوز حلقها, حاولت سحب يدها من يده فتشبث بها حائرا, دوى صوت الليل كهزيم الرعد في أذنيه يأمره بتركها, ارتجف للفكرة وفزع وتشبث بها أكثر حتى كادت يدها المرمرية الهشة تتكسر بين أصابعه القوية التي تضغط عليها لاإراديا, وسألها في خفوت ان كانت رأت ذلك الحلم مثله...لم تجب ولكن عينيها أجابتا بالإيجاب, همس يسألها الغفران:"لم أكن أعلم"


سالت دموعها وجذبت يدها في محاولة يائسة, أمره الليل بهزيم أقوى أن يتركها وإلا سينال مالا تحمد عقباه,فكر لحظات في التحدي والصراع من أجل حبيبته ولكنه عدل عن ذلك فمن سيتحدى؟ أيتحدى الطبيعة بكل قوتها؟! انسابت العبرات من مقلتيه في قهر وألم يرجوها فأشاحت بوجهها عنه وسحبت يدها فتركها, هرولت بخطاها الرشيقة الصغيرة وعادت لمكانها, نجمة إلى جانب القمر وتركته وحيدا ثانية كما كان, كما كان عندما كان يجلس وحيدا حالما في العراء يراقب القمر يغازل النجوم في افتتان فيحسده على كثرة حبيباته وهو مسكين ووحيد وفي يوم من الأيام بلغت منه الوحدة مبلغها وبكى قلبه في عجز وألم, ودفن وجهه بين يديه وتمنى لو تمتد يد حانية إليه تمسح الألم وتمنحه الحنان, رق لحاله القمر وأرسل إليه من فتياته أكثرهن جمالا ورقة وعذوبة ووعدته بالمشاركة في كل شئ وأنهما سيكونان دوما شريكان ولكنه لم يعلم....لم يعلم أنها ستكون شريكته حتى في الأحلام, لقد أدمن الرعب وحفظه من الأفلام, فصار حلما جميلا يزوره في المنام, ولكنها رقيقة فكيف لها الإحتمال, زاره الرعب في الحلم وكانت هي هناك, تشاركه الأحلام, لقد جرحها وآلمها وأخافها وأفزعها فياله من شيطان, هاهي ذهبت وعاد وحيدا ذلك الذي أدمن للرعب أفلام.

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))