وقفت لبعض الوقت اراقب الناس من حولي وهم يركضون هنا وهناك, امرأة تحمل جريدة وضعتها فوق رأسها ورجل خبأ طفله في احضان معطفه ويركض, قطة ركضت ودخلت في برميل على جانب الطريق, سمعت صوت صراع ومواء وخربشات فقد كانت هناك قطة اخرى داخل البرميل ثم هدأ الصوت رويدا رويدا, من الواضح انهما رضيا بالجلوس معا واستكانت كل منهما الى دفء جسد الاخرى , جرو صغير ينبح بصوت ضعيف جاءت والدته وحملته الى احد المخابئ واخذت تنظفه والمسكين يرتجف, صوت الرياح يصفر في اذني والتصقت خصلات شعري المبللة بجبيني بعضها طويل غطى عيني, نظرت حولي..لقد صرت وحدي ف الطريق, خلعت معطفي وتركته يسقط ارضا, رفعت رأسي الى السماء وتركت قطرات المطر تضرب وجهي برفق وتنساب من ياقة قميصي الى جسدي, شعرت ببرودة تلك القطرات وهي تسيل على صدري وظهري الدافئين وبعضها كان يدغدغني. كانت شفتاي منفرجتان قليلا فشعرت بطعم المطر العذب يمحو جفاف حلقي, حاولت فتح عيني ولكن الماء دخل فيهما واحرقهما فأغلقتهما بشدة وظللت واقفا هكذا بلا حراك, كانت قطرات المطر الباردة تنساب على اجفاني المغلقة برقة وكأنها تواسيها وبرغم ذلك شعرت بقطرات ساخنة ملتهبة على وجهي, تهرب بسهولة من بين اجفاني المسبلة وتتلاقى القطرة الباردة الخجولة من المطر مع دمعتي الحارة فيمتزجان معا وتذوب كل واحدة منهما في الاخرى ثم يمسحان بدفء على وجنتي, تسللت احداها بين شفتي فشعرت بها دافئة جمعت بين عذوبة المطر وحمضية الدموع في تناغم عجيب, انهمرت دموعي اكثر واكثر..لكم احب المطر فهو المكان الوحيد الذي لا يعرف احد فيه انك تبكي..المكان الوحيد الذي تبكي فيه وتبكي ولا تلاحقك العيون والنظرات ولا تمزق خناجر الشفقة كرامتك بلا رحمة, عندما تسير في الشارع وبدون اذنك تخرج دموعك للعلن, ترى طفلة صغيرة تنظر اليك برقة وبراءة والحزن في عينيها لمرأى دموعك ثم تجذب معطف والدتها وتهمس:"لماذا يبكي هذا الفتى؟" فتسحبها والدتها بعيدا وهي تحرقك بنظرات الشفقة, وماذا عن اثنين مثل الزهور مشيا متقاربي الرأسين متهامسين تتشابك اصابعهما وعندما يرياك تفيض الشفقة من عينيهما فتكوي صدرك وتقبض قلبك وتضغط عليه بقوة وقوة حتى يكاد يلفظ انفاسه الاخيرة, تهرب من امامهما فينسياك ويعودان ثانية الى همسهما, عندها تعلمت..تعلمت الا ابكي ثانية امام احد..تعلمت ان احبس دموعي وابتلع المرارة التي تدمي قلبي ولكن لا يجب ان تظهر امام الناس والان انا وحدي تحت المطر..فقط انا والمطر..دع برودته الحلوة تطفئ نار دموعي المتأججة, تمتد يدي لتفتح ازرار قميصي وأترك المطر البارد يضرب صدري لعله يمحو بعضا من المي, ودموعي ماتزال تنهمر, من قال ان الدموع جميعها بطعم واحد؟! كل دمعة لها طعم يختلف عن الاخرى, دموع الخوف باردة في طعمها حتى ولو كانت حارة في اصلها, ودموع القهر مرة تمزق جوفك, اما دموع الالم فهي ملحية بطعم الصدأ تماما كطعم الدم, من قال ان الدموع جميعها بطعم واحد؟! ان من قال ذلك لم يجرب البكاء في حياته قط, لكن الدموع المتناغمة مع المطر لها طعم مختلف يمسح كيد حانية على الجرح فيشفيه, انه جميل..دافئ..ناعم..حنون
ما اجمل البكاء تحت المطر!
بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق