فجأة!!! اشتعلت داخلها مشاعر جياشة وتزاحمت الأفكار في رأسها بقوة يدفع كل منها الاخر, يريد أن يحتل الصدارة, فهمت ماهية ذلك الشعور .. تركت كل ما في يدها وانطلقت كالصاروخ تمسك قلمها بيد وتبحث عن ورقة فارغة باليد الأخرى, تحاول اللحاق بكل تلك الأفكار التي تتدفق بشدة في رأسها, مس سن القلم المدبب مطلع الورقة بلهفة, ثم ساد الصمت.......
وكأن يدها قد شلت, الافكار ما تزال تتزاحم في رأسها ولكنها لا تستطيع الإمساك بإحداها وحتى لو أمسكت بها ,تجدها مهشمة مشوهة لا ملامح لها وتنسل منها بخفة وتختفي كغيرها من الفكرات, ظلت دقائق متجمدة بلا حراك ثم زفرت بقوة, نهضت وأغلقت الأضواء, جلست على مكتبها في الظلام وقد تناثرت الأوراق البيضاء أمامها أشعلت شموعا حولها وأرخت أعصابها, أمسكت بالقلم ثانية تحاول التركيز وعندها......
انفتح صندوق ذكرياتها ليس الصندوق نفسه فهو دائما مفتوح لكن جزءا منه مغلق بأقفال وفي هذه اللحظة تجرأت المفاتيح وانكسرت الأقفال وانفتح الصندوق على مصراعيه كباب من أبواب الهلاك, ذلك الجزء الذي تحتفظ فيه بذكريات الأنانية والنرجسية والقسوة البشرية, تلك الذكريات... لقد فطنت الآن إلا كم هي مؤلمة, كادت تجن وهي تحصي عدد الناس الذين سحقت مشاعرهم في طريقها بانتباه أو بدونه ولكن النهاية واحدة, لقد انسحقت تلك المشاعر وتعذب اولئك البشر, أخذت تتلوى في مكانها تمسك رأسها بين يديها وصورهم واحدا تلو الآخر تمر في رأسها والعيون تحمل نظرة واحدة...نظرة اتهام, بعضهم انزوى في ركن يضمد جراحه وينعش مشاعره التي سحقتها وبعضهم ماتت مشاعرهم للأبد! لم يكتف صندوق الذكريات بتعذيبها بصورهم فقط بل أخذ يجلدها بكل موقف ارتكبته في حق واحد منهم, أغلبها كان رغما عنها أو بدون انتباهها, لكن الصندوق لم يرحمها, استمر يكويها بالذكريات التي ابتلعها لسنوات, لم تكن تلك المواقف كبيرة بل بالعكس كانت صغيرة, بل غاية في الصغر, كانت كلمة, نظرة, همسة, حركة, التفاتة, أخذ الألم يرتسم على ملامحهم واحدا تلو الآخر, بعضهم استغرق في الألم والآخر محاه لتشرق ابتسامة, لكنها الآن أدركت أنه مازال يتألم في داخله, يالذلك الوحش الذي عاش داخلها, يالتلك القسوة والأنانية, إنها كائن قاس ومن شدة قسوتها تسبب بألم البعض دون علم منه أو انتباه وكأن مشاعر الناس شئ مستباح يسحق وقتما نشاء, وبلا ثمن!
انطلقت منها صرخة ألم حادة أرغمت الصندوق على الإنغلاق والأقفال على الإلتحام والمفاتيح على الإختفاء, نظرت أمامها على أضواء الشموع المتراقصة فوجدت قلبها على الأوراق الخاوية يحتضر, لهثت بإعياء وهي ترجوه أن ليس الآن, أمسكت به تضعه في التجويف الفارغ في صدرها ولكنه أبى الثبات فثبتته بيد واليد الأخرى تتحرك بسرعة على الأوراق البيضاء, تغمس أصابعها في بدمها وتكتب لكل من جرحته رسالة اعتذار, والشموع تنطفئ واحدة تلو الأخرى حتى انطفأت جميعها وساد الظلام, وأعلن الصمت بكبر أنه لا مكان للكلام. بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق