رن هاتفي المحمول فنهضت إليه في تكاسل, نظرت إلى الاسم الظاهر في استغراب أنبش قبر ذكرياتي بحثا عن هذا الاسم وصاحبه فمن المعروف عني ذاكرتي القوية في تذكر الأسماء, فلو أني توقفت عن ذكر اسمي اوتوقف الاخرون عن مناداتي به لبعض الوقت لنسيته!!! "باسم" كان الاسم يبرق امامي على الشاشة الصغيرة ومعه بدأت ذاكرتي تعود إلي, أيام ثانوي, عماد وباسم وأنا, أذكر الهروب من المدرسة وتسلق سورها وعم محمد يركض خلفنا بسنوات عمره الستين وعصاته الغليظة وعيناه تقدحان شررا, أوقفت ذكرياتي قبل أن يتوقف الهاتف عن الرنين ورفعته إلى أذني مجيبا :"آلو...." اخترق أذني صوت باسم الجهوري:"ياسر,كيف حالك يا صديقي؟ اشتقت إليك كثيرا" وكعادته منذ معرفتي به لم يمهلني فرصة الإجابة على سؤال أو تحية وأنا أختلس الثواني التي يأخذ فيها أنفاسه لأتحدث قبل أن يقاطعني ثانية:"أنا آت اليوم إلى الاسكندرية وعماد موجود فيها منذ يومين ففكرت أن نتقابل" كنت أصغر إخوتي والأعزب الوحيد بينهم لذلك أعيش مع والداي ولحسن الحظ كانوا مسافرين لمكان ما -لا أذكره بصراحة- لشئ ما - لا أعرفه أيضا- المهم أن الشقة مفتوحة لاستقبال صديقي طفولتي ليومين, لن يمانع أحد وهكذا اتفقنا وفي اليوم التالي كان ثلاثتنا في صالة المنزل نتبادل العناق والقبلات, تغيرنا حقا وصرنا رجالا برغم أننا كنا بالأمس صبية يظهر الزغب الخفيف فنفخر به كشارب رجل بتنا نجزه جزا الآن,بدلا من تلك الشعور المرتبة والثياب المتناسقة كنا نرتدي الشورت والكاسكيت الملطخين بالطين بعد لعب الكرة ونتسابق بدراجاتنا, جلسنا معا نسترجع الذكريات ونختلس من الزمن بضع لحظات حلوة لا نظن بأنه يضن علينا بها, وبما أننا لا نجيد الطهي طلبنا الطعام من أحد المطاعم وبعد ساعة رن جرس الباب, نهضت لأفتح, كان السلم مظلما تماما ولا أثر لأي إنارة ولم أستطع رؤية الرجل الذي أمامي إلا من ضوء الشقة المنبعث من خلفي, كان يرتدي كاسكيت يميل على وجهه راسما ظلا قاتما حاجبا عينيه عني, شعرت بالضيق وبرغبة في رفع الكاسكيت إلا أن ذلك كان خروجا سافرا عن حدود اللياقة, لم يرحني ذلك الشخص كثيرا خاصة أنه لا يتحدث بل يتعامل كآلة, أخذت منه الطعام فاقشعر بدني عندما لامست برودة أصابعه, يستحيل أن يكون لأحد أصابع في هذه البرودة, قد تصل برودة أصابع بعض الناس إلى ذلك الحد شتاء.....لكن المشكلة أننا في منتصف شهر يوليو!!! أخذت الطعام وأخبرته بأني ذاهب لإحضار النقود وبالطبع أغلقت الباب, عندما عدت فتحت الباب وأنا منهمك في ترتيب الأوراق النقدية المبعثرة بين يدي, رفعت رأسي لأجد السلم مضيئا وليس هناك أحد! خطوت خطوتين خارج الباب أنظر إلى السلم حتى باب البناية فلم أجد أحدا! عدت إلى الداخل أضرب كفا بكف واتصل بالمطعم أخبرهم أن الععامل أحضر لي الطعام ولم يأخذ النقود, فرد علي عامل الاتصالات في المطعم الذي يكره نفسه جميع الزبائن والمتصلين ببرود أن الطلب الذي طلبته لم يتم إرساله بعد وربما يـاخر قليلا, صعد الدم إلى رأسي فصحت به أن يلغي الطلب وصفعت السماعة في وجهه, أنا لن أتوسل إليهم ليأخذوا نقودهم, عدت إلى عماد وباسم بالطعام وهما يلعبان الورق وسألاني عما حدث, حطيت له ماحدث بسرعة واستخفاف فانفجر باسم ضاحكا أما عماد فرمقني بنظرة صامتة لم أفهم حقا معناها, واستمرت السهرة بين أكل وضحك ولعب وذكريات, خيل إلي سماع صوت رياح ولكني لم آبه فمن المستحيل أن توجد رياح في مثل هذا الجو الحار الخانق, بعد وقت قصير بدأت أسمع زئير الرياح, لاشك في ذلك هناك عاصفة وقبل أن أدرك أو أسأل كانت أوراق اللعب تتطاير والنوافذ والأبواب تغلق بقوة وصوت مفزع, نهضت إلى النافذة افتحها فلم يقابلني سوى لفحة هادئة من نسيم عليل ترطب حرارة الجو! من أين أتت الرياح؟ قبل أن أنطق بالسؤال بدا على عماد أنه فهمني فأشار لأوراق اللعب, نظرت إليها في حيرة ثم فهمت لتزداد حيرتي! كانت الأوراق متناثرة.....باتجاه النافذة! ومن الطبيعي أن تتناثر عكس اتجاه الريح فلو نظرنا لوضعها ذاك لوجدناها تقول ببساطة أن الريح كانت آتية من اتجاه الباب لا النافذة! وهذا مستحيل فباب الغرفة يؤدي إلى بقية أرجاء المنزل وأنا طوال حياتي في هذا البيت لم أر قط اعصارا مارا بصالة البيت أو عاصفة قادمة من المطبخ مثلا! تبادلنا أنا وعماد النظرات غير فاهمين في حين نهض باسم يلملم الأوراق قائلا:"لعل الرياح أتت من شرفة صالة المنزل" لم ننبس ببنت شفة وبعد مرور دقائق كدنا ننسى ماحدث وعدنا لضحكنا وصخبنا ثانية وضحكات باسم المجلجلة تكاد تهز أساسات البيت, لكم اشتقت فعلا لضحكته الخالية من الهموم, كان أكثرنا بساطة وتفاؤلا لا يمكن لشئ أن يعلو فوق صوت ضحكه, وفي تلك اللحظة كانت تعلو ضوضاء فوق صوت ضحكته, صوت ارتطام عنيف يتبعه ثان وثالث, طرقات قوية قادمة من خارج الغرفة, أصوات مختلطة وغير مفهومة, حبسنا أنفاسنا وتبادلنا النظرات برهة عندما سكن الصوت وفجأة دوى صوت وكأنه انفجار قنبلة لنهب مفزوعين, خرجنا إلى الصالة نتتبع مصدر الصوت لنجدها إحدى الغرف التي أغلقت الرياح الغامضة بابها, اقتربنا ببطء فسكنت الأصوات وضعت يدي على المقبض وأدرته ببطء ودفعت الباب, أصدر الباب صريرا رغم أني لم أعتد منه على ذلك الصرير المفزع, قابلتني زوج من العيون المتسعة الفسفورية, سقط قلبي في قدمي وكدت أصاب بنوبة قلبية, تحسست أصابعي الحائط بجنون بحثا عن مفتاح النور اللعين, أين ذهب؟ أخيرا أضاء النور الغرفة ورأيت ذلك الشبح صاحب العينين الفسفوريتين, كانت قطة صغيرة سوداء اللون لها عينان مرعبتان حقا لكن في تلك اللحظة كانت من أجمل ما رأت عيناي, فهذه إحدى الكائنات ((الـأرضية)) التي خلقها الله سبحانه وتعالى, تنهدنا في راحة وابتسمت وأنا أحملها بين يدي "إنها قطة" وأطلقتها على السلم, عدت إلى الغرفة ثانية, كان باسم غارقا في الضحك من الخوف الذي أاصبنا بينما بدا جليا على عماد من ضحكته الصفراء أنها لا تزيد عن كونها مجاملة لا أكثر, مضى الوقت بطيئا ثقيلا وبدا ان هذه الليلة لا تريد أن تمر, فقدنا مرحنا ورغبتنا في الكلام ولكن باسم ل يظهر عليه تأثر, بعد دقائق سمعنا نفس الضوضاء السابقة من غرفة أخرى مغلقة, هرعنا إليها نفتحها وتقابلنا عينان فسفوريتان من جديد ويقطع السكون صوت مواء بدا كأنين طفل تطحن عظامه, انتصب جلد ساعدي من ذلك الصوت وأنا أهتف باستنكار:"قطة!!!" لم يعد هذا منطقيا فالشقة في الطابق الرابع وتحيط بنا أبنية أخرى لا أدغال ولم يحدث يوما أن صار بيتنا مزارا للقطط السوداء فسفورية العيون التي تصدر ضوضاء في الغرف المظلمة, هذه المرة حلمتها باشمئزاز وألقيتها خارجا بشئ من العنف صافقا الباب خلفها بينما عيناها الكريهتان ترمقانني بتهديد ووعيد,عدت فرأيت عماد وباسم متصلبين أمام باب الحمام المغلق يرهفان السمع والإنصات, سأجن حتما الليلة, لقد صار بيتي حقا حديقة حيوانات, لا أتعجب إذا وجدت قردا يتسلق النجفة أو زرافة تطل برأسها من المطبخ, اندفعت إلى باب الحمام كالبلدوزر أفتحه برغم أني لم أسمع الضوضاء, انتظرت أن تصطدم عيني بعيون فسفورية ثانية لكن فجأة.............أصابني العمى! استغرقت برهة لأكتشف أن الكهرباء انقطعت ولست أنا من أصيب بالعمى, استدرت بعيني بحركة لا معنى لها في هذا الظلام أبحث عن عماد وباسم, أمسكت يد مرتجفة بقميصي بينما تلاقت عيناي بعينين فسفوريتين كبيرتين مشقوقتين بالطول, كانتا تنذران بشر أكيد, مستواهما أعلى من مستوى قطة, موضعهما موضع عيني إنسان, سمعت صوت عماد المرتجف المتشبث بي:"باسم............." دوى صوت عواء لا مواء من صاحب العينين الفسفوريتين الذي لا نراه ومن الواضح أنه باسم! طال العواء المنذر بالويل وبدا كتهديد وفجأة وقبل أن ندرك جاءت تلك اللحظة وكان الانقضاض...................................
بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
17/12/2012

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق