الاثنين، 3 ديسمبر 2012

مدمن أفلام رعب







برد وظلام والجو رطب رائحته عطنة, عواء مذئوبين يتناهى إلى مسامعه, يسمع حفيف عباءات مصاصي الدماء في الخارج ومن حين لآخر ترتفع صرخات المسوخ الهادرة لتهز أساسات ذلك القصر القديم, بصيص خفيض من الضوء يدخل من نافذة مرتفعة فيضئ ذلك الممر الذي يسير فيه بضوء باهت ويلقي بالظلال في كل الأركان, يراها تتراقص على الوجوه المرسومة في اللوحات فتبدو وكأنها تراقبه, يشعر بكل تلك التماثيل والدروع تتحرك, نعم انه يسمع صوتها المعدني خفيضا, بالتأكيد تتحرك, يسير في ذلك الممر الطويل وقلبة يختلج في أحضانه ليس ذعرا, بل إثارة, يعلم في عقله الباطن أن هذا حلم وسيستيقظ ليجد نفسه آمنا في فراشه, يشعره ذلك ببعض الطمأنينة فيفسح الخوف مكانا للانبهار والإثارة, برغم ذلك فقد أرهف حواسه وتحفزت عضلاته وهو يسمع صدى خطواته في أرجاء القصر الخالي, يجد بابا فيفتحه بصرير يجمد الدماء في العروق, الغرفة غارقة في الظلام وفجأة تفتح آلاف العيون اللامعة الصغيرة وتتساقط تلك الكائنات من السقف والجدران زاحفة فوق حذائه, يرفسها برجله ويركض بقوة, ينظر خلفه كل فترة وفترة في محاولة يائسة للرؤيا, ماهذا؟ إنه يسمع صوت خطوات أخرى غير خطواته, لهاثا أخر لأحد غيره, وفجأة........ طراااااااااااااخ, ارتمى أرضا بقوة, أمسك رأسه بين يديه وأخذ يتلوى من الألم, رفع رأسه ليرى ماصدمه, وجد بابا أصغر وأحقر من كل أبواب القصر بلا مقابض أو أقفال أو حتى مفتاح, تساءل في حيرة عن كيفية وصول هذا الباب لهذا المكان, هو متأكد أن الممر كان مفتوحا, لقد رآه منذ ثوان قبل أن يلتفت خلفه ويصطدم, كيف أتى هذا الباب إلى هنا؟ أخذ يتحسس الباب في الظلام فارتطمت أصابعه بنقوش تشبه الحروف قرأها "كونت الرعب الأعظم" شعر باللهفة والفضول, أخذ يدفع الباب بقوة لعله يفتح فلم يستطع, مر بأصابعه على الحروف ثانية ليتأكد من أنه لم ينس قراءة شئ ولكنه تجمد, لقد تغيرت الكلمات, انمحت الكلمات القديمة وظهرت أخرى تبدو مغبرة عتيقة كسابقتها رغم أنها لم تكن هنا منذ ثوان, تحسسها وهويرتجف فوجد "لا تحاول ياجبان" غضب وركل الباب بقوة فهو ليس بالجبان ثم تحسس الكلمات ثانية" البلاهة مفتاح الباب والشجاعة للبلاهة مفتاح" أخذ يفكر في معنى الكلمات ثم بلا وعي دفع الباب فانفتح بسهولة وكأنه لم يكن مغلقا من البداية, دخل الغرفة فوجدها مضيئة تبدو نظيفة بخلاف القصر كله, سمع صوت الباب يغلق خلفه, التفت فلم يجد الباب, لقد تحول لجدار, شعر بالذعر وعاد ينظر إلى الحجرة ثانية فلم يجدها لقد اختفت الحجرة كما اختفى الباب, سبح في الفراغ والظلام وصرخات تتناهى إلى اسماعه وضحكات وهمسات وزئير وعواء ونباح وصرير أبواب...................


انتفض بقوة وفتح عينيه فوجد أنهما مايزالان مستلقيين على العشب متعانقي الأيدي في العراء, رفع رأسه إلى السماء فرأى الليل بعباءته المخملية تزينه حبات من اللؤلؤ والألماس وبحث عن القمر فرآه يظهم من خلف سحابتين داكنتين وقد احمر لونه في حنق وغضب, حار لذلك المشهد ولكنه أفاق على اليد الباردة المرتجفة في أحضان يده الدافئة, نظر إليها في حيرة فرآها....جميلة كالحلم....رقيقة كالفراشة.....رشيقة كالغزالة.....كانت مستلقية بجواره على العشب الندي يرتجف جسدها بطريقة ملحوظة وقد امتلأت عيناها بالدموع وانفرجت شفتاها الجميلتان عن صرخة صامتة لم تتجاوز حلقها, حاولت سحب يدها من يده فتشبث بها حائرا, دوى صوت الليل كهزيم الرعد في أذنيه يأمره بتركها, ارتجف للفكرة وفزع وتشبث بها أكثر حتى كادت يدها المرمرية الهشة تتكسر بين أصابعه القوية التي تضغط عليها لاإراديا, وسألها في خفوت ان كانت رأت ذلك الحلم مثله...لم تجب ولكن عينيها أجابتا بالإيجاب, همس يسألها الغفران:"لم أكن أعلم"


سالت دموعها وجذبت يدها في محاولة يائسة, أمره الليل بهزيم أقوى أن يتركها وإلا سينال مالا تحمد عقباه,فكر لحظات في التحدي والصراع من أجل حبيبته ولكنه عدل عن ذلك فمن سيتحدى؟ أيتحدى الطبيعة بكل قوتها؟! انسابت العبرات من مقلتيه في قهر وألم يرجوها فأشاحت بوجهها عنه وسحبت يدها فتركها, هرولت بخطاها الرشيقة الصغيرة وعادت لمكانها, نجمة إلى جانب القمر وتركته وحيدا ثانية كما كان, كما كان عندما كان يجلس وحيدا حالما في العراء يراقب القمر يغازل النجوم في افتتان فيحسده على كثرة حبيباته وهو مسكين ووحيد وفي يوم من الأيام بلغت منه الوحدة مبلغها وبكى قلبه في عجز وألم, ودفن وجهه بين يديه وتمنى لو تمتد يد حانية إليه تمسح الألم وتمنحه الحنان, رق لحاله القمر وأرسل إليه من فتياته أكثرهن جمالا ورقة وعذوبة ووعدته بالمشاركة في كل شئ وأنهما سيكونان دوما شريكان ولكنه لم يعلم....لم يعلم أنها ستكون شريكته حتى في الأحلام, لقد أدمن الرعب وحفظه من الأفلام, فصار حلما جميلا يزوره في المنام, ولكنها رقيقة فكيف لها الإحتمال, زاره الرعب في الحلم وكانت هي هناك, تشاركه الأحلام, لقد جرحها وآلمها وأخافها وأفزعها فياله من شيطان, هاهي ذهبت وعاد وحيدا ذلك الذي أدمن للرعب أفلام.

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق