أخذت
أروح وآتي في غرفتي كليث حبيس, أركل كل مايعترض قدمي وألهث, مررت من
أمام ذلك السطح الناعم الزجاجي فرأيته بطرف عيني يقلدني, يروح ويأتي يروح ويأتي
يروح ويأتي, كاد يصيبني بالجنون, توقفت أمامه ونظرت إليه قابلتني عينان محمرتان
وشعر مشعث, هالات سوداء مرعبة أسفل هاتين العينين, كان يلهث في غضب وغيظ مثلي,
وكلما أتيت بحركة يفعلها معي, أفتح فمي لأتحدث فيفتح فمه, أغلقه فيغلقه...كدت أجن,
اقتربت منه وعيناي تتطاير منهما الشرر ففعل مثلي حتى التصق أنفي بأنفه, لم أشعر
بأنفاسه اللاهثة بل كلما زفرت ظهرت سحابة بخار ماء على ذلك السطح الرقيق الذي يفصل
عالمي عن عالمه, نظرت إليه بتحدي فبادلني التحديق بتحدي, أمسكت أول ماوصلت إليه
يدي وهويت عليه أحطمه..أحطمه..أحطمه..أحــــــــــطـــــــــمـــــه, اختفى ولكني
أعلم أنه مايزال موجودا هناك, فقط أنا حطمت النافذة التي أراه منها..فقط..أكرهه..بشدة..أكره
شكله..هيئته..شخصيته..إنه كاذب..مكار..خائن..أناني..كريه بما تحمل الكلمة من
معنى,أخذت ألهث وأنا أرى بعض قطرات الدم تسيل من جرح في يدي, نظرت إلى الساعة..لقد
اقترب الموعد..ارتديت ثيابي على عجل بلا اكتراث..بل تعمدت أن يكون شكلي مبهرجا فهو
أحقر من أن أعدّل من شكلي لأجل لقائه!!! نزلت إلى الشارع أسير كقطار لايتوقف
والناس تبتعد عن طريقي وهي تنظر إلي في رعب, دخلت أحد المحال لبيع المرايا وما ان
وقفت في وسط المحل حتى رأيته يطل علي من كل جانب واتجاه..كدت أحطمه ثانية ولكني
استجمعت كل مابقي لدي من إرادة لمنع نفسي.....نفسي؟! أكرهها أكرهه فهو وهي وانا
واحد! أكرههم جميعا, وجدت واحدة بطولي تظهره كاملا.....ذلك المقيت,أخذتها وحملتها
من ظهرها حتى لا أراه, ألقيت للبائع ثمنها وجررتها جرا خارج المحل.....سمعت البائع
يهرول خلفي ويناديني...ماذا يريد ذلك الأحمق؟ فليذهب إلى الجحيم...أكملت طريقي
حتى مقهى...كان هو مكان اللقاء, دخلت فحدقت بي الأعين بدهشة فلم أعبأ
بهم.....فليذهبوا جميعا إلى الجحيم, فاليوم سينتهي كل شئ....سيتركني وحدي,لقد
اتفقنا على هذا الموعد لأرى مايريده فأعطيه له ثم يذهب ويتركني لحالي, ابتسمت بشراسة
للفكرة....نعم ,نعم سأصبح حرا بدونه, ثبت المرآة على أحد الكراسي الشاغرة وجلست
على الكرسي المقابل له ,تبادلنا النظرات للحظات.....دقائق.....وهو صامت مثلي,فتحت
فمي ففتحه,أغلقته فأغلقه, تصاعدت الدماء إلى رأسي وقررت أني سأتحدث ولن أسمعه,
أخذت أتحدث وهو يتحدث معي, لم أسمعه ولا أدري إن كان سمعني, الناس تحدق بي
برعب...هل يرونني مجنونا؟ نعم أنا مجنون,هو السبب...سأعود لعقلي عندما يذهب, اقترب
مني أحد العاملين بالمقهى وبتردد حدثني وأنا لا أسمعه,بل احمرت عيناي بلون الدم من
ذلك الذي أمامي,ليصمت قليلا ويسمعني...لايهم...سأتم الصفقة رغما عنه, وسيتركني شاء
أم أبى, تعالى صياحي وهو كذلك...لم أسمعه لأن صوتي كان يملأ أذني لكنه بدا ثائرا
مثلي...غبي, شعرت بذراعين قويتين تجرانني جرا خارج المقهى, وانا أقاوم وأقاوم ولكن
بلا فائدة,بعد ثوان كنت في الخارج بالعراء واغلق باب المقهى أمامي, أصمت للحظات ثم
أدركت ماحدث.....لقد تخلصت منه...للأبد.....ذهب.....نعم,لقد تخلصت منه.....لقد صرت
حرا...أخذت أرددها بأعلى صوتي وأنا أسير مترنحا في الشوارع من حلاوة النصر, عدت إلى شقتي,دخلتها وأنا أشعر براحة كبيرة,لقد تخلصت منه,خلعت معطفي وذهبت أعلقه,مررت
من أمام ذلك السطح المستوي المقيت...فلمحت بطرف عيني خيال من يتحرك هناك!!! عدت
أدراجي ووقفت أمامه فوجدته...هناك...مايزال...جحظت عيناي وتوقفت عن التنفس...شعرت
بالألم يمزق صدري والخدر يسري في أنحاء جسمي...ثم أظلمت عيناي...وأخيرا...تخلصت
منه...للأبد!
بقلم:غفران حبيب(( دوشة كبيرة))

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق