الاثنين، 12 نوفمبر 2012

القمر





الهدوء يعم المكان والنداء اقوى منها,انها لا تستطيع مقاومته, ان دقات قلبها تتزايد في شدة كلما اقترب الموعد, لا تستطيع, حتما لا تستطيع, تسللت في خفة وفتحت نافذة غرفتها وانسابت منها كحلم جميل يخدر افكارك ويبعث نشوة لذيذة في خيالك,سارت بخفة ورشاقة على العشب وكأنها فراشة تطير تكاد من رقتها تسير على العشب فلا تثني عودا واحدا منه, وصلت الى شاطئ البحيرة وبحثت حولها فلم تجده,جلست تنتظره بجوار جذع شجرة عجوز كانت هناك منذ فجر التاريخ تنشر عطرها وعبيرها في الارجاء تتخذ الطيور من غصونها ملجأ تبني عليه اعشاشها والحيوانات من ظلها ملاذا من اشعة الشمس ويالطيب ثمارها حين تشبع جوع عابر سبيل, طارت الفراشات من حولها ومالت الازهار باتجاهها ولكنها شعرت برجفة تسري في اوصالها فاحتضنت دميتها الصغيرة بشدة ونظرت الى السماء تترجى تلك السحابة السوداء ان تبتعد وتختفي, اسندت رأسها الجميل الى الشجرة وتسلل النعاس الى جفنيها فلم تقاوم لذته واغمضت عينيها, لا تذكر كم مضى من الوقت وهي مستسلمة للنوم ولكنها تذكر انها استيقظت حين شعرت به يداعب وجهها في حنان لتفتح عينيها الناعستين وتنظر اليه فتتألق عيناها فرحا ولكنها تعاتبه ببراءة طفلة وتسأله في حزن:لم تأخرت ايها القمر؟
يرد عليها: اسف يا صغرتي لم يكن بيدي
فتبادره في احتجاج يكذبه شعاع السرور في عينيها ودقات الطرب في قلبها: ولكنني انتظرتك طويلا
يبتسم في حنان:وهاقد اتيت يا سندريلا
لم تتمالك نفسها وابتسمت في براءة, كم تحب ان يناديها بسندريلا, كم تحب القمر, انه صديقها الوحيد ومنقذها من وحدتها ومؤنس وحشتها, لكم افضت له باسرار واسرار بالتأكيد هي تذكر يوم سرقت العسل من اناءه الذي خبأته والدتها فأتت مسرعة الى القمر تعترف له بجريمتها وترجوه في الحاح الا يخبر والديها ووعدته بأنها لن تفعل ذلك ثانية, لقد كان حنونا وصديقا وفيا اثبت ذلك بمرور الايام فهو لم يعدها يوما بأنه سيأتي الا ولم يخلف وعده....يتأخر!!ولكنه في النهاية يأتي, تذكرت يوم اتته باكية فزعة وقد شعرت ان السماء انطبقت على الارض وتحولت البحار الى دماء وانفجرت النجوم وانطفأ بريقها ليسألها جزعا:ماذا اصابك يا حبيبتي؟
فتقول من بين دموعها:ابي....ابي....لقد مات ابييييييييييي
قال لها: كيف؟
قالت بصوت اعياه البكاء:الدبابات.....الجنود.....ضربوه.....مات ابيييييييييييييي..............

قاطع القمر سيل ذكرياتها في اهتمام:لم ار الدموع تترقرق في عيني الاميرة الصغيرة؟
رفعت اليه عينين اختلطت فيهما براءة الطفولة بكهولة الشيوخ, اجتمعت فيهما نظرة طفلة ترى العالم بلون وردي جميل ونظرة الم من عاش خبرة مئات السنين, لم تنبس ببنت شفة ولكن عينيها افصحتا بلغة ابلغ من كل الكلمات عما يجول في خاطرها, فتألق القمر اكثر ليحيطها بأشعته وضيائه وكأنه يحتويها ويبثها الدفء والامان ويعوضها عن حنان الاب الذي فقدته
قالت له بمرارة:متى يذهبون؟ انا لا احبهم...... لا اريدهم...... لقد اخذوا ابي مني
القمر: سيذهبون في يوم من الايام سيذهبون,عليكي بالصبر,كوني عند حسن ظن والدك بك ليكون فخورا بك
هي من بين دموعها:وهل يراني؟هل هو موجود؟
ابتسم القمر في ثقة واطلق شعاعه الى احدى النجمات المضيئات وقال لها:كل واحد من البشر يعيش حياته على الارض يسعى فيها يخطئ ويصيب ويفعل الحسنات ويرتكب الذنوب وعندما يموت ويختفي من الارض يظهر نجمه في السماء, نجم يراقب من يحبهم ويقف بجانبهم وقت ضيقهم يساعدهم وينير لهم طريقهم ويحذرهم من الوقوع في نفس خطاياهم ويعطونهم الامل في غد افضل
جميعهم هنا...بجواري يؤنسونني.............
طرااااااااااااااخ.....راتاتاتاتاتاتاتاااااااااااااااا
اشتعل المنزل.......تطاير الرصاص
اختلط عبير الازهار ونسيم الليل برائحة البارود
تعالت صرخات الفزع والالم
ارتجفت الصغيرة واخذت في البكاء فزعا
وانطلقت منها صرخة جزع باسم والدتها واخذت تعدو نحو بيتها, حاول القمر منعها, حاول حمايتها, ولكن الرصاص كان اسرع من صوته
اخترق جسد الطفلة البريئة
واصطبغ الليل بلون الدم ولاول مرة على مر العصور بكى القمر دموعا بيضاء كاللؤلؤ سقطت على الجسد البرئ تغسله وترفعه الى السماء وهو يقول: لا تخافي لقد صرتي في في امان...تعالي معي....الى جانبي
وظهر نجم صغير متألق في السماء اختلط بياضه بحمرة الدم
والى يومنا هذا يتساءل الناس كلما نظروا الى السماء في منتصف الشهر عن سبب احمرار ذلك النجم بجوار القمر وسبب تألق القمر بأشعة لؤلؤية وكأنه....................

يبكي!!!!!!

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق