الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

أحب الأبيض والأحمر!



اتسعت عيناه في لهفة وارتجفت اصابعه وهو يسكب مربى الفريز الحمراء على الزبادي ناصعة البياض

بلل شفتيه بلسانه ليس من جوعه بل من النشوة التي انبعثت في جسده من مرأى اللون الأحمر القاتم وهو يصنع لوحة غاية في الجمال على الصفحة البيضاء

وأخذ يحدق في الوعاء بانبهار وهو يتأمله في هيام

يرسل عينيه هنا وهناك يراقب اللون الأحمر وهو يتهادى بين التلال البيضاء

ارتفع صوت والدته من ورائه تقطع تأملاته وتجعل شعر رأسه يقف من المفاجأة كأن تيارا كهربيا مر به:أما زلت تحدق بالطعام؟ستتأخر عن المدرسة

فيتناول طبقه في انزعاج على عجل ويضع حقيبته على ظهره واقفا أمام الباب

يتساءل في حيرة: أيهما يرتدي؟الحذاء الأحمر؟ام الأبيض؟

ينظر إلى جواربه فيجدها باللون الأبيض فيرتدي الحذاء الأحمر

يرتدي قفازيه من اللونين الأبيض والأحمر ويحكم إغلاق سترته البيضاء التي تتخللها خطوط حمراء

ويخرج سائرا في شموخ وعلى وجهه ابتسامة فقد تمكن من تحويل نفسه الى كتلة من اللونين الأبيض والأحمر

ثم تختفي تلك الابتسامة ليحل محلها العبوس ثم الضيق

ينظر الى كل تلك الثلوج حوله يالجمال اللون الأبيض ولكن أين الأحمر؟

أليست هناك وسيلة تمكنه من مخالطة كل هذا البياض بالإحمرار؟

ينظر الى قدميه فيجد حذاؤه الاحمر يسير فوق الثلوج البيضاء فيبتسم

ينظر خلفه فيجد الثلوج قد عاد اليها بياضها ثانية حتى آثار حذائه الأحمر صارت بيضاء

فيعبس

ينظر الى قدميه فيجد البياض والإحمرار

ينظر خلفه فيجد فقط البياض فيغضب

ينظر الى قدميه فيجد الأحمر والأبيض

ينظر خلفه فلا يرى سوى البياض فينفجر ف البكاء

ويجلس بين الثلوج يبكي بحرارة تكاد تذيبها

يحاول شخص او اثنان الاقتراب منه لكن بكاؤه يزداد ويبعثر الثلوج بقدميه

اما باقي المارة ممن اعتادوا رؤية هذا المشهد كل صباح فيلقون عليه نظرة عابرة ويكملون طريقهم

يتوقف عن البكاء وينهض وعلى وجهه علامات الحزن ويذهب الى المدرسة ويجلس في مكانه لا يتحرك

اصدقاؤه يضحكون وهو ساكن

يمرحون وهو ساكن

يلعبون وهو ساكن

يتحدثون وهو ساكن

يرتفع صوت المعلمة تطلب منهم الخروج واللعب في الفناء

يتجه الى كومة من الثلوج يعبث بها بيديه ثم............آآآآآآآآآآي

يتأمل قطعة الزجاج التي جرحت اصبعه

تجتمع الدموع في مقلتيه

يستعد للبكاء

ولكنه يتوقف

جذب انتباهه ذلك الخيط الأحمر الذي يسيل من اصبعه على الثلوج البيضاء

تمر لحظة ثم ينفجر ضاحكا

يمسك الثلوج ويصنع منها أشكالا جميلة ويقبض على قطعة الزجاج فيسيل الدم غزيرا ليغرق الثلوج

لقد وجدها

لقد علم كيف يخالط بياض الثلج بالإحمرار

يشعر بالنعاس

لكن كلا

ليس الآن

لن ينام الآن

ضحكاته تعلو

النعاس يزداد

يخفت صوت ضحك الأطفال حتى يحل محله السكون

ويرتسم الفزع على الوجوه

تنتبه المعلمة فتخرج منها صرخة قصيرة

وهو يقاوم النعاس

ولم يعد يسمع ف الملأ إلا ضحكاته

ولكن النعاس يغلبه

لا يريد

يحب الأبيض والأحمر معا

لكن السواد آت لا محالة

والنوم سلطان

فينام وهو يردد

أحب الأبيض والأحمر!

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

2010


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق