"ما الوطن يا جدي؟"
نطق (محمود) الصغير بهذه الكلمات وهو يتسلق ساقي جده ويجلس على ركبتيه وأخذ يرنو إليه بتساؤل, قالت له والدته:
"لا تزعج جدك يا (محمود)"
لكن الجد احتضن حفيده ضاحكا
"أتريد ان تعرف ما الوطن؟"
طالعته عينا حفيده المتسعتين في لهفة فحمله على كتفه واتجه به الى النافذة وفتحها قائلا:
"هذا هو الوطن"
نظر الى (محمود) فوجد على وجهه علامات اعتراض واستنكار طفولية وقد قطب جبينه الصغير فقهقه الجد ضاحكا وأشار إلى السماء قائلا:
"الوطن هو تلك السماء التي تربيت تحت دفء شمسها والتي تسهر في الليالي المقمرة تعد نجومها وتناجي قمرها, هو تلك الارض التي نشأت عليها وأكلت من خيرها وشربت من مائها, هو ذلك المكان الذي فتحت عينيك لاول مرة لتجد نفسك في احضانه, المكان الذي لعبت فيه اول مرة وقابلت فيه اصدقائك, الذي تشاجرت فيه وتصالحت, ركضت فيه وضحكت, المكان الذي قطفت منه اول زهرة, أطعمت فيه اول عصفور, ركلت فيه اول كرة, المكان الذي كبرت فيه ثم وقفت بجانب احد اصدقائك على العشب الندي بدون حذاء لتتنافسا من فيكما اطول من الاخر, الذي تعلمت فيه اول دروسك والذي تمرغت فيه متعاركا مع صديقك على التراب تتشاجران علة فتاة لا تعرف شيئا عن اي منكما"
تنحنح الاب معترضا فالتفت اليه الجد مبتسما
" دع الفتى يتعلم يابني فسيمر بعد سنين قليلة بما اقول"
قال الاب:
"لكنه مايزال صغيرا"
وضع (محمود) كفيه الصغيرين على وجنتي جده يجذب انتباهه قائلا في افتتان:
"اكمل ياجدي"
أكمل الجد:
"المكان الذي ستحب فيه اول مرة ثم ستعمل فيه وتعتمد على نفسك, الذي تستنشق هواءه وتنام آمنا في احضانه وتتزوج وتنجب اطفالا يحبون هذا الوطن كما احببته انت"
قال (محمود) بصوت فرح مسرور:
"احب وطني كثيرا"
ضحك الجد والاب والام, انزل الجد حفيده فانطلق الى غرفته وهو يقول:
"سوف ارسم وطني الحبيب"
دخل غرفته وأخذ يخرج فرشه وألوانه وارتدى رداء الرسم ثم وقف امام قماشة بيضاء مشدودة, لكم يحب الرسم! والان سيرسم وطنه الجميل, أخذ يخلط الالوان ببعضها في عشوائية حتى يظهر لون يعجبه, يغمس فيه فرشاته ويضرب ضربات متتالية بالفرشاة على القماش, رسم ارضا غنية وسماء صافية زرقاء, شمسا ضاحكة وقمرا حالما, شجرة واحاطها ببستان, خط طيرا وجسد حجرا, رسم طفلا, رسم شيخا, لون كرة, أضاء نجما, كون مدرسة, اوجد معلمة, نظر الى الصورة قليلا, مسح جبينه فتلطخ بالالوان, قال بصدق:
"أحبك ياوطني"
ألقى الفرشاة وغمس اصابعه في الالوان وأخذ يطبعها في الصورة, خطوط متتالية من الالوان وخرج للوجود قوس قزح زاهي, شعر بيد على كتفه, التفت ينظر اليه فرأى رجلا كبيرا متهالكا هزل جسده وشحب وجهه وبح صوته, نظر بعينين ذابلتين الى (محمود) لكن الطفل الصغير ميز الحنان والحب اللذان يسيلان من تلك العينين فأخذ يرتوي منهما في نهم, قال له ببراءة:
"انظر ماذا رسمت!"
سأله الرجل:
"وماذا رسمت؟"
نفخ صدره الصغير في فخر
"انه وطني"
لمع الحزن في عيني الرجل وقال:
"بل أنا وطنك"
احتج الطفل قائلا:
"بل هذا هو"
مشيرا الى اللوحة فاقترب الرجل من اللوحة ومسح عليها بأصابعه
"بل هو هذا!"
صرخ (محمود) عندما رأى السماء الرمادية, القمر الباكي, والشمس المختفية, رأى الارض الجدباء, الشجرة الجرداء والزهرة الذابلة, طير مذبوح, حجر مشقوق, طفل تعب وشيخ متهالك, قوس قزح ابيض واسود, حزنا الما فقرا جوعا, بكى (محمود) وبكى, غمس يده في اللون الاحمر ورسم في صميم اللوحة قلبا كبيرا وهو ينتحب
"مازلت احبك ياوطني"
هتف الوطن بصوت خافت
"انقذني ياولدي"
قال (محمود)
"لا تذهب, لاتتركني"
تلاشى الوطن وهو يقول:
"انا في قلبك وانت أملي"
حاول (محمود) انا يتشبث به
"ماذا فعلوا بك؟"
اجاب بصوت باكي:
"ضممتهم الى كنفي وربيتهم في احضاني اطفالا فنسوني وباعوا ترابي ثمنا للهوى"
ورحل الوطن و(محمود) يبكي قهرا وألما
"قتلوا وطني..ضاع وطني"
بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
2011

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق