الأحد، 18 نوفمبر 2012

أطفال في السماء


فتح عينيه ببطء وكسل, شعر بفراشه الوثير يلامس جسده الصغير في نعومة, للحظة تخيل أن ماحدث كان حلما وسيجد والدته الآن تحتويه بين ذراعيها, لكنه لم يجدها, وقف ليجد أنه كان يتوسد الأرض وينام عليها, لكن أي ارض هي بتلك النعومة والجمال؟! كانت بياضا امتد من تحت قدميه الصغيرتين إلى نهاية الأفق, كاد يبكي هاتفا باسم والدته لعلها تأتي إليه, نظر خلفه فوجد إخوته واقفين تدمع أعينهم وتختنق عبراتهم, رنت كلمات والدته في أذنيه:"أدهم...انتبه لإخوتك جيدا,أنت صرت رجلا مسئولا الآن" وتنتفخ أوداج صدره الصغير فخرا بمدحها, كبت حزنه ودمعه وتظاهر بجلد طفولي جميل يحاول بث الشجاعة في قلوبهم, هتفت نور الصغيرة "أين نحن؟" عجز عن الإجابة فأكملت حنين :"أريد العودة إلي البيت" فعجز أيضا عن الرد, تعلق محمد الصغير به وعيناه دامعتان تتحدثان بلا حروف, كان أصغرهم وأكثرهم تعلقا بوالديه فلم يجد ردا سوى أن يربت على ظهره بيده الصغيرة بلا حيلة, من بعيد ظهر أشخاص آتون اتجاههم أشارت إليهم حنين:"انظروا" تجهم أدهم :"أمي طلبت منا ألا نتحدث إلى الغرباء" وكأنه ذكرهم فانفجرت نور باكية :"ولكن أين أمي؟" اقترب الأشخاص فرأوا تباين ملامحهم, أحدهم شيخ عجوز تبدو الطيبة في عينيه وشاب في مقتبل العمر والآخر بدا كوردة لم تجد الوقت لتتفتح قبل أن يختطف الموت عبيرها, نظروا بدهشة إلى الأطفال الأربعة ورأوا تلك البراءة الجميلة في أعينهم التي ضن بها الموت  على قذارة العالم فانتشلهم منه, كبراعم صغيرة في فصل الربيع تنتظر إزهارها, رأوا التشابه بينهم فتقلصت قلوبهم ألما على والديهم, اقترب الشيخ منهم يواسيهم ويحاول تخفيف خوفهم فاطمئنوا له, سألهم:"ماذا حدث لكم؟" صمتوا بلا إجابة ثم نطق أدهم:" في الصباح لم ترد أمي أن نذهب إلى المدرسة بلا سبب لكنها كانت قلقة, كانت في قمة توترها وعصبيتها تتحرك بلا هدى بين غرفات المنزل, تنظر إلينا وكأنها لن ترانا ثانية! أخذت تعد لنا اشيائنا ولا تكف عن نصحي بالحذر والاعتناء بإخوتي, احتضنتنا مرارا وتكرارا قبل الذهاب حتى أننا مللنا......صعدنا إلى الحافلة وجلسنا مع اصدقائنا, هناك قطار نراه دوما في الطريق لكنه اليوم لم يأتِ, وكدنا نذهب وفي منتصف الطريق ظهر القطار مسرعا............" ثم صمت في حيرة وكأنه لا يذكر ماتبقى أو ماحدث وبدت الحيرة في عيون إخوته أيضا يحاولون التذكر لكن نهر الذكريات توقف عند هذا الحد! أما الشيخ والشابان فقد كسى وجوههم الألم, اقتربت نور من الشاب الجالس بجوارها وقد اطمأنت إليه :"أريد العودة إلى أمي" رفع عينيه إلى عينيها المتسعتين براءة وفضولا ولم يجد مايقول فخفض رأسه هامسا :"وأنا أيضا أريد العودة إلى أمي" رفعت رأسه بيدها الصغيرة وعيناها ماتزالان تفيضان فضولا:"وأين هي؟ لماذا لا تذهب إليها؟!" رد بحزن:"ذهبت إلى المباراة مع اصدقائي اشجع فريقي عندما انقلبت المباراة إلى........" منعته يد الشاب الآخر في حزم من الاسترسال ونظر إلى نور التي تحترق فضولا:" أنا أيضا أريد العودة إلى أمي..........لكننا لن نستطيع" بكى محمد فاستدرك الشيخ:" هم سيأتون إلينا لا تقلقوا" بعث قوله بعض الطمأنينة فيهم ولكنهم نظروا إليه بشك وقالت حنين:"متى؟" نظر الثلاثة على بعضهم ونهض الشيخ قائلا:" في القوت المناسب سيأتون معنا هنا وسنظل سويا إلى الأبد" نهض الصغار معهم وقد شعروا من هذه اللحظة أنهم أصبحوا عائلتهم حتى.......حتى يأتي ذلك الوقت المناسب.


بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
18/11/2012


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق