الأحد، 11 نوفمبر 2012

لقطة وفاء


"كان لي كلب جميل اذكر أني وجدته جروا صغيرا ضعيفا مرتجفا, بللته مياه الامطار الغزيرة ذلك اليوم وضاع نباحه الضعيف امام زئير الطبيعة, خبأته في ثنايا ثيابي أبعث في جسده الصغير بعض الدفء وعدت به إلى البيت, جففته ودثرته في الاغطية وحاولت إطعامه لكن المسكين كان خائفا ونباحه المستغيث جمع أفراد البيت من حولي, اذكر شهقة والدتي المستنكرة وأمرها لي بأن أخرج كتلة ((الشعر والجراثيم)) تلك حالا من البيت, ولأول مرة في حياتي أشعر بمسئولية قوية تجاه هذا المخلوق الضعيف, حملته بين ذراعي أضمه بقوة لصدري وقد زاد ارتجافه أقول لهم أنه لوخرج من هذا البيت فسأخرج معه في هذا الجو العاصف وليحدث مايحدث ومنذ هذه اللحظة هو جزء من العائلة وسأتحمل أنا مسئوليته كاملة, لم تهد تلك الليلة أو نذق طعما للراحة فبالخارج عواصف المطر والرياح وبالداخل عواصف شجار أمي تارة معي وتارة مع ابي الذي أعجب بتحملي للمسئولية وأشفق مثلي على الجرو, أبعدته عن أمي وأخذته إلى غرفتي, صنعت له فراشا صغيرا من الأغطية التي ستقتلني أمي عندما تراه متدثرا بها وأنا أطمئنه انه بأمان وكأنه فهم ما أهمس له به فهدأ ارتجاف جسده وقنع بما أقدمه له من طعام لينام بملائكية بعدها, ومنذ ذلك الحين وصار جزءا من حياتي وعائلتي, كبر الجرو الصغير وكبرت أنا لأصير رجلا تشغلني الحياة , تزوجت فكادت زوجتي تهدم حياتنا كلها من أجل كتلة ((الشعر والجراثيم)) فتركته لعائلتي بعيدا عن زوجتي وبسبب سفري لم أعد أراه كثيرا ولم يؤثر ذلك فيّ أنا الإنسان الجاحد لتلك العلاقة الراقية التي نشأت بيننا كما تأثر هو, أنجبت أطفالا منعتني زوجتي من أخذهم لعائلتي لأنهم يخافون من الكلاب وخوفها عليهم من المرض فاضطروا لحبسه وحده كلما ذهبت إليهم حتى علمت ذات يوم أنه هرب ولم يعد له أثر, حزنت قليلا ولكن ماهي إلا ساعات حتى نسيت الأمر برمته وعدت إلى حياتي لا أحصي ساعات الزمن التي تحصدها العقارب بلا رحمة, رحل والداي وتفرق إخوتي كل انشغل بحياته, انفصلت عني زوجتي وأولادي أراهم من حين إلى آخر ثم تزوجوا وابتعدوا ولم يعد يجمعنا سوا مكالمات فاترة أو زيارات قصيرة في المناسبات البعيدة, شعرت بالحياة تنتهي وبالفراغ يملأ جنبات نفسي وبيتي الذي خلا إلا مني, استسلمت أنتظر مصيري وأرقب الموت الحتمي آت إلي من بعيد, فتحت الباب ألتقط جريدة الصباح لأجده جاثما على الأرض بجوار الباب, كبر سنه وخارت قواه, هل تشيب الكلاب؟ فقد خيل إلي أن فروه شاب كما شاب شعر رأسي وحكى نباحه البطئ العجوز آثار الزمن, عاد إلي ثانية بحب ووفاء بعد مافعلت به, احتضنته كما فعلت في صغري يوم عرفته جروا فقابلني بنباح ودود وهو يتشمم يدي وثيابي وكأنه يتأكد من أني أنا حقا وبعد أن قطع الشك باليقين عاد يعانقني ثانية بشوق لربما أكبر من شوقي إليه.........."

وضع الورقة والقلم بجواره وأخذ يسعل بقوة, اقترب منه الكلب يهمهم في حزن فربت على رأسه بحنان وأغمض عينيه وماهي إلا دقائق حتى تعالى عواء الكلب العجوز الحزين, عواء شق سكون الليل وكاد يبكي القمر, بدأ قويا مجلجلا سكن له الكون احتراما وأخذ يخفت ويخفت مع إشراقة يوم جديد حتى صمت.........للأبد.

بقلم: غفران حبيب((دوشة كبيرة))
10/11/2012


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق