الأحد، 25 نوفمبر 2012

الجبل


كان "ميجوري" يسير بسيارته بسرعة عادية, اليابان مليئة بالجبال وقد زحف العمران وولدت الحضارة في قلب هذه الصخور كزهرة يانعة, لم تشكل الجبال عائقا فغمرها العمران والطرق الممهدة الحديثة وهي آمنة تماما واعتادها اليابانيون حتى صارت جزءا لا يتجزأ من حياتهم, لكن الجهتين اللتين يصل بينهما جبل "........" الموجود في أقصى حدود البلد الشمالية أنشئ بينهما طريق  آخر عبر نفق داخل الجبل فلم يعد هناك داع لصعود الجبل الذي صار شبه مهجور بعد أن كف الناس عن السير فيه, واختصروا الطريق من الطريق المنشئ حديثا لكن "ميجوري" كان يشعر بالفراغ يكاد الملل والروتين يقتلانه, لقد كف عن سلوك طريق الجبل منذ زمن ولكنه شعر بشوق مفاجئ له, فكر في أنه اشتاق لذلك الطريق وانه سيتمكن من كسر روتينه اليومي إذا ماعبره اليوم في طريقه من عمله إلى البيت, أدار المقود وانحرف عن الطريق المعتاد صاعدا الجبل على الطريق القديم الذي مايزال برغم كل شئ ممهدا, نظر حوله فرأى سيارته الوحيدة, شعر براحة لتلك الوحدة التي تمناها بشدة واسترخى في مقعده وهو يقود في سرعة ماتزال عادية, مر الوقت حتى وصل إلى منحنى حاد يتوارى فيه بقية الطريق خلف الجبل, لسبب ما جرفه الحنين للأيام الخوالي عندما كان يسير بسرعة عالية في تلك المنحنيات, لم يعط نفسه فرصة للتفكير, ضغط على دواسة الوقود وارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يتشبث بالمقود واثقا من نفسه ينتظر اللحظة الناسبة للانسياب مع المنحنى ولم تخنه قدرته فانساب فعلا معه وظهر له الجزء الآخر من الطريق عندها ارتسمت علامات الفزع على وجهه عندما رأى تلك الحافلة المتوقفة في منتصف الطريق وركابها المتناثرين حولها,لم يعلم ما يفعل أدار المقود بقوة فارتفع زئير العجلات وكادت قدمه تخترق أرضية السيارة بالفرامل وانحرفت السيارة بقوة مصطدمة بالجبل ثم انقلبت على جنبها واشتعلت فيها النيران وبداخلها كان هنالك جسد جريح يحاول التخلص من حزام الامان ولكن صوت الانفجار قضى على أي أمل في النجاة........وتصاعدت رائحة اللحم المشوي.......

~~~~~

جلس "جاكي" على مقعد القيادة في تلك الحافلة والذي يجلس عليه منذ 35 عاما, تجاعيد وجهه تروي عراكه مع الحياة وبريق عينيه المنطفئ يدل على أنه لم يفز في ذلك العراك,كان شابا صغيرا امتلأ حيوية ونشاطا...ظن أن تلك هي البداية ولكنه مايزال على نفس المقعد في نفس الحافلة منذ ذلك الوقت, يقود في بطء مدروس متعمد ويستمع إلى شهقات السياح المألوفة وعباراتهم المادحة المستحسنة بكل اللغات, طوال الوقت يستمع إلى كليك...كليك الذي يصدر عن كاميرات أولئك القوم المتحمسين لكنه لا يعيرهم اهتمامافلم يعد هناك شئ يهمه, فقط يتمنى أن تنتهي هذه الجوة سريعا وينتهي اليوم بل ياليت الحياة تنتهي أيضا بسرعة, تمنى تلك الأمنية ونسيها كمن ألقى قطعة معدنية في البحر  ولم يخطر بباله أنه سيجدها في بطن السمكة التي يصطادها في نفس ذات الحين, تململ متضايقا وهو يعترض بصمت على تغيير مسار الرحلة, إنه منذ وقت طويل يسير في نفس المسار لا يتغير سوى الراكبون معه, ولكن نزولا لطلب سياح هذه الجولة تم تغيير المسار بحيث سيصعد جبل"......" ويعبر الطريق التي لم يعبرها منذ زمن, تثاءب وهو يقود الحافلة صاعدا الجبل حيث تبدو معالم المدينة صغيرة بقطاراتها وسياراتها وأبنيتها وحتى ناطحات سحابها وتبدو الشمس الآفلة للغروب قريبة منك حتى تعتقد أنك ستلمسها إذا مامددت يدك قليلا بعد, تزايد صوت الكليك...كليك في جنون ثم هدأ وهدأ كل شئ والجميع يتأمل مشهد الغروب في افتتان, لم يرد قطع تأملاتهم ولكن أمامه منحنى حاد بحيث يختفي الطريق خلف الجبل, أبطأ السرعة قليلا وهو يمر لضيق المنحنى وما إن بدأت الحافلة بالعبور حتى زاد السرعة قليلا قبل ان تنحرف الحافلة لكنه فوجئ بحافلة أخرى واقفة في منتصف الطريق وقد تناثر ركابها حولها, لم يشعر بنفسه وهو يضغط على دواسة البنزين من هول المفاجئة وحاول تدارك الأمر وإدارة المقود ولكن للأسف في الجانب الخطأ ولو يجد وقتا لتعديل خطأه فقد اتجهت الحافلة بكل ثقلها إلى الحافة مخترقة الحواجز الموضوعة ثم إلى قلب الوادي وهدأت الصرخات الفزعة وساد الصمت ولم يعد هنالك سوى صوت الوادي الذي يرشف تلك الدماء الطازجة في عطش.............

~~~~~

كليك...كليك...كليك, نظر المحقق "ياماموتو" إلى رجاله في ملل وهو يتساءل في نفسه:- ((ما الذي يفعله هؤلاء الحمقى؟ ماذا وجدنا عندما كان لدينا جثة وأدلة؟ أسنجد شيئا بآثار فرامل فقط؟)) واسترجع الساعة الماضية عندما كان جالسا في مكتبه ورن جرس الهاتف, كانت إحدى شركات السياحة تقول بأن إحدى حافلاتها خرجت ولم تعد لا الحافلة ولا السياح وقد انقطع الاتصال بهم, طلب من الشركة خط سير الحافلة وبدأوا عمليات البحث, نظر "ياماموتو" إلى المخطط فعلم من أين سيبدأ هو, لم يكن لديه شك أن هذا هو ماحدث, جمع رجاله وصعدوا الجبل وعند ذلك المنحنى أوقفوا سياراتهم ونزلوا منها, كان المكان هادئا خاليا لا أثر لأي حوادث أو حافلات مقلوبة أو أي شئ, أدار عينيه في المكان فرأى الحاجز المحطم.....((سيدي)) نظر "ياماموتو" إلى أحد رجاله الذي كان راكعا على الأرض يتفحصها, كانت هناك آثار عجلات كبيرة حفرت في الأرض, آثار حديثة, آثار فرامل عجزت عن فعل شئ سوى رسم هذه الخطوط الحادة في الأرض تتبعها بنظره فرآها عند بداية الطريق قبل المنحنى  تسير في خط مستقيم وتنحني مع المنحنى ثم تنحرف فجأة وكأن......وكأن سائقها رأى شيئا أفزعه أو كاد يصطدم بشئ ثم تتجه إلى الوادي, احمر وجهه غضبا وأمسك بأقرب رجل إليه يجذبه من قميصه صائحا:- ((هذه ثالث حادثة هذا الشهر, الثالثة وماذا فعلتم؟ لاشئ, أخبروني ماهو عملكم إذا لم تكونوا قادرين على حل مثل هذه القضايا؟ وماذا سيحدث؟ ستمارسون أعمالكم التقليدية ثم يغلق الملف ثم لاشئ...أريد حلا أعطوني إجابة لما يحدث, هل يصاب الجميع بالجنون عندما يصلون إلى هنا؟ كيف تحدث هذه الحوادث؟أجيبوني....))
أصيب الرجل بالدوار وكاد يفقد الوعي من شدة هز المحقق له فقد كان يهزه بقوة من قميصه وكأنه دمية صغيرة عاجزة عن النطق وليس بيده سوى الخضوع, تدخل الباقون يهدئون "ياماموتو"  ويقومون بنفس العمل لثالث مرة هذا الشهر وكل واحد منهم يعلم في قرارة نفسه أن النتيجة هي لاشئ فعلا وليس باليد حيلة...إن السائقين حقا يصابون بالجنون عند هذا المنعطف وينحرون جميعا بسياراتهم بلا سبب يذكر, جلس "ياماموتو" يراقب رجاله في شرود وعقله يعمل بسرعة, يجب أن يجد حلا, يجب, سمع أحد رجاله يقول:- ((حدثت الحادثة وقت الغروب ياسيدي)) تمتم بآلية:- ((مرة في الفجر ومرتان في الغروب)) أقامت الشرطة حواجزها في المكان لمنع الناس من الاقتراب هذا اذا كان هنالك أحد يقترب من هذا المكان فعلا ولكنها الاجراءات وعاد الجميع إلى قسم الشرطة مع أمل في استكمال التحقيقات ويأس من النتائج, لكن "ياماموتو" لم يكن على استعداد لانتظار النتائج هذه المرة, سيتصرف هو بنفسه, عاد إلى بيته بعد يوم مرهق ولم يغمض له جفن, أخرج كاميرا تصوير فيديو كانت لديه وبدأ يجربها ويختبرها وعندما تأكد من أنها صالحة وضع فيها شريطا جديدا وخرج إلى سيارته حيث ثبتها على سقف السيارة من الخارج وربطها جيدا ثم أوصل الحبل إلى داخل السيارة وثبته أسفل الفرامل بحيث ينقطع الحبل وتتدحرج الكاميرا بعيدا عن السيارة إذا ضغط أحدهم بقوة على الفرامل, عاد إلى البيت وحضر كوبا من القهوة جلس يرشفه أمام النافذة ينتظر الخيط الأول من الضياء يشق السماء السرمدية السوداء وعندما ظهر, ارتدى ثيابه وركب سيارته وسار بها حتى وصل إلى بداية طريق الجبل, أوقفها ونزل منها وشغل الكاميرا وتأكد من أنها تصور الطريق جيدا وعاد إلى سيارته صاعدا الجبل, حرص على ألا يسير بسرعة عالية فالفجر مايزال وليدا والظلام برغم كل شئ يبدو أنه مايزال مسيطرا, وصل إلى المنحنى فابتلع ريقه وشعر بأنه سيعرف.....حتما سيعرف كان باقي الطريق يختفي خلف الجبل , زاد من سرعته قليلا لا إراديا وهو يعبر المنحنى عندما فوجئ بحافلة واقفة في منتصف الطريق وقد تناثر حولها ركابها لكن المفزع أنهم لم يبد عليهم أنهم لاحظوه من أساسه بل الأكثر رعبا أنهم كانوا يشعون ضوءا باهتا, لقد كانوا مضيئين رآهم بوضوح في ضوء الفجر الخافت, ضغط على الفرامل بقوة فازدادت سرعة السيارة...ياإلهي هذه ليست الفرامل, وضغط على الفرامل ولكن الأوان كان قد فات, انقطع الحبل وتدحرجت الكاميرا على الطريق في الوقت الذي تدحرجت فيه السيارة في اعماق الوادي الذي غنم ضحية جديدة..........
~~~~~


عندما جاء الصباح, جاء رجال الشرطة إلى الموقع ليجدوا آلة تصوير ملقاة على الأرض ومربوطة بحبل مقطوع وقد ألصقت عليها ورقة:-

{ أنا المحقق "ياماموتو" إذا وجدتم هذه الورقة ولم تجدوني فقد ضحيت بحياتي من أجل كشف سر الحقيقة.....ستجدون في الشريط داخل الكاميرا سر ماحدث في الحوادث الماضية وسنجد حلا لهذه القضية...} 

نظروا بلهفة إلى آلة التصوير وأخرجوا شريطها مسرعين بها إلى قسم الشرطة وهناك جلس الجميع يشاهد الشريط في لهفة...طريق الجبل العادي والدقائق تمر ثم يظهر المنحنى...يحبس الجميع أنفاسهم وهم يرون الصورة تستدير مع المنعطف, ويظهر الجزء المختفي من الطريق خلف الجبل...طريق ممتد برئ لا شئ فيه, فجأة تهتز الصورة وتضطرب وتنحرف بقوة ثم تتقلب المشاهد أمامهم دلاله على تدحرج الكاميرا وعندما تستقر لايظهر سوى الطريق الخالي للجبل, ينظرون إلى بعضهم البعض وبعد أيام أغلقت القضية كالمعتاد ولكن الوادي سيظل ظمآنا ويجتذب كل فترة ضحية جديدة........



بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق