الأحد، 28 ديسمبر 2014

والروح سجينةٌ والسجّان الجسد

الجسد وعاء الروح وأرواحنا ما هي إلا نحن بحديثنا.. بأفكارنا.. خلجاتنا.. أحلامنا.. ونبضات قلوبنا وقد يضيق القالب بقلبه ونجد الروح متململة ضاق بها الجسد وضاقت هي بالجسد فهي تجيش بأشياء لامحدودة تحبسها محدودية الجسد تربطها بالمكان والزمان وهي ترنو للرفعة عنهما والانفصال عن قيدهما والروح تتحدث والجسد صامتٌ ما فهم كلامها والروح تصرخ والجسد صامتٌ ما اطلع على براكينها والروح تحلم والروح تبحر والروح ترفرف بجناحيها والجسد عاجزٌ في نطاق الجاذبية يبدو لها كقعيدٍ أصمٍ أبكمٍ أعمى لا يدري عن العالم شيئًا من ذاك الذي تدريه ولا يعرف عن الكون سوى المكان الذي تشغله قدماه وكل ما سواه فارغٌ متسعٌ وداخله فراغٌ ضيقٌ حصر الروح فيه فاختنقت فإذا الروح تحلم وإذا الفكر يفيض منها متدفقًا نهرًا جاريًا منسكبًا مغرِقًا وإذا الجسد عاجزٌ عن مجاراتها مكتفٍ بالغرق فيما صنعت له بل هو أيضًا عاجزٌ عن الركض خلف كل تلك الأحلام التي تغترف منها الروح لتسكبها فيه فتتساقط من ضيق الإناء الذي وضعت فيه، وتأتي الروح فتسقط في براثن الحب فتتفجر براكينًا تكاد من حرارتها تذيب ذلك الجسد الذي يرجف من براكينها ويعجز كما عهدته عن نطق ما صنعت به البراكين فإذا بالروح تغضب وتثور وتصب براكينها صبًا على رأسه والضلوع تكاد تذوب من نبض القلب فلا يبوح الجسد إلا بأنّة حبٍ متخاذلة لا تروي ظمأ الروح المشتاقة للبوح ولا تبرد من لهيبها، وترى الروح في الإنسان ما لا تراه عيناه ولا يراه جسده الفاني العاجز وكلما حاولت إخراج ما تراه خذلها الجسد كلما نبضت بحلمٌ أسكتها الجسد كلما هبت عليها نسائم حريةٍ سجنها الجسد كأنه وضع لها بالمرصاد كلما همت بالنهوض كبلها..
فلتغفر لنا أرواحنا كل حلمٍ غابت فيه فأعادتها أجسادنا للواقع بعجزها.. وكل فكرةٍ طرقت أبوبها فتملكتها فخذلناها بقلة حيلة الجسد وضيق أفقه.. وكل نبضة حبٍ حلمت ببثها في جسد الحبيب دافئة محترقة تستعمر عروقه فمنعناها بحدود أجسادنا ذات اللامعنى.

غفران حبيب
٢٨/١٢/٢٠١٤

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

..

ذلك الحب الساكن بأعماق القلب ينضح كل حينٍ وحين فيمسك زمام النفس ويبعث بأطيافه إلى العقل تحجبه وتسكره فينتشي والقلب يرجف باشتياقٍ يهوى الحبيب واسمه يصدح بتنهيدة حبٍ معذبٍ مغموسٍ في خمر شوقه المسكر، والليل على النائمين ينقضي وليل العاشق المستهام بركان شوقٍ لا ينضب، وحده القلب المشتاق يهمس في ليله والنجم يسمع ولا يجيبه البدر والمعشوق غافٍ في ثنايا القلب أنفاسه كلما انتظمت اضطرب لأجلها في عروق عاشقه النبض، يهوى منك إن كنت تدري كل حرفٍ فكيف تراه أمام جمال غفوك يسكن؟! يرجو القلب لو كان نسمةً هامت حولك تتلمس، فضاقت بها الأرض وما وسعت إذ اقتربت منك وسمعتك تقول بما يقول النائم في جميل حلمه، وتسللت مع أنفاسك من حيث ما ضاقت بها الأرض إلى صدرك فوسعها وفاض بها وهي به تتدثر، وجرت في عروقك وانتهت في قلبك واحترقت من شوقها وأنت يا مهجة قلبها وبسمة ثغرها نائم.

١٩/١١/٢٠١٤

السبت، 15 نوفمبر 2014

نظرة

وتشعر مع المرة الأولى حين ترى تلك العيون وكأن روحك تتسلل منك ترنو إليها وتنهل من حلاوة نظراتها وهي تسترقها خفيةً منك مرةً ومرةً بالعلانية
فإذا بك بعدها تقع في حبها كل مرةٍ كوقوعك فيه أول مرة
فإذا بك تنتظر أن يمرّ الليل ويأتي النهار لعلك تسترق اليوم تلك النظرة المنتظرة فإذا بك تراه فإذا به ينظر إليك وتشعر بروحك شفافةً خالصةً لحظتها أمامهما تجول فيها نظراتهما الحُلوة برفق تتوقف معه أنفاسك وتتبعثر نظراتك تحت أقدامكما فلا تشعر ولا تسمع ولا تنطق فقط تستسلم لما تبعثه عيونه فيك كأنما سحرتك للأبد بهمس أهدابها.. لحظة هي لكنها دهرٌ أبديّ يمر على القلبين فكأنه لن ينقضي إلا بفناء العالم ولن تفنى اللحظة فإذا انقضت وتبعثرت نظرات تلكما العينين الدافئتين شعرت بأن أبد النظرة لم يكفك بعد! لم ترتوِ منها بعد! فتبعث بعينيك إليه يفعلان به كما فعلت عيناه بك ترتجيان منه النظر وتسألانه لملمة بعثرة قلبك بين جفونه وتلمسان منه كل جميلٍ ملامسة العين المُحبة لا يعادله شيء فأنت تلامس الروح والجسد وتحتضنهما في داخلك فلا يفر أيهما منك أبدًا..
جميلة هي العين حين تخجل وحين تختلس النظر وساحرة هي العين الخجولة حين تتمرّد فتعبُر الاختلاس الخفيّ للتأمل الصريح ومداعبة النظرة المتوارية المبعثرة لعناق النظرة التي تسبر غور الروح فتذيبها!
وبين بعثرة وبعثرة وهروب وهروب وارتباك وارتباك تلتقي العينان معًا لحظةً متمرّدةً من الأرواح المتلاقية فإذا القلبان ينتظمان معًا في أغنيّةٍ طالت ألحانها عنان السماء.

غفران حبيب
١٥/١١/٢٠١٤

الخميس، 13 نوفمبر 2014

الطريق وعر

خُلقنا لننتهج نهج الحياة كلٌ على طريقته وأُعطينا عقولًا لا عقلًا واحدًا، لم نجد من الحياة دربًا سهلًا مرصوفًا ومكللًا بالأزهار ينتظرنا لندبّ بخطانا بيسر على أرضه المرصوفة، بل وجدها السابقون جبالًا وعرة وسهولًا جافةً وحول كل عين ماء عذبٍ حربٌ قائمة تستوجب منك القتال لتشرب.. القتال لتعيش، الشرعة الوحيدة التي طالتها أرواحنا كانت شرعة السماء ترسم لنا كيف نسير كيف نمهد الطريق ونزرعه لنحصد منه وليحصد منه اللاحقون، ليكون مثالًا وقدوةً لهم يصنعون طرقهم كما صنعناها وينتهجون نهج عقولٍ تفكر كما انتهجنا، لكن الأرض الممهدة أغرت البعض أولًا ثم الأغلبية ثانيًا فسولت لهم أنفسهم تفضيل الممهد على الوعر والسير الأعمى على خطى الآخرين بدلًا من صنع خطاهم الخاصة.. حتى لو تعارضت تلك الخطوات مع مبادئهم وحتى لو تشابك الطريق مع بقايا العقل الهامس فيهم فطوّعوا عقولهم بدلًا من تطويع طريقهم!! وأخرسوا الناطق وأغمضوا العين وتركوا الأقدام تتحسس طريقها إذا لامست شوكًا تراجعت وإن شعرت بسهولة الطريق سارت فصار الطريق مزدحمًا وصار السائرون عميانًا وقدمت الطرق الممهدة وبارت إذ تسير عليها الأجيال جيلًا بعد جيل لا يحيد إلا القليل ولا يصنع طرقًا جديدة إلا قلّةٌ قليلة بل إن بعض القلّة تلك إذ تحيد عن الطريق الممهد راغبةً في صنع طريقها الخاص تتيه في وعورة الحياة فلا هي سارت ولا هي صنعت وتختفي ويختفي معها الخبر، فأصبحت غريزة الإنسان ورسالته في إعمال عقله ونهج طريقٍ خاصةٍ به بابًا من الغرابة والعجب يلقاها البعض بالخوف والبعض بالسخرية ويتعمد البعض الغفلة عنها كأنها غير موجودة حتى لا يقع فريسة تأنيب ضميره له وتململات عقله الذي يحاول ممارسة الدور الطبيعي الذي خُلق له
وعلى ذلك نرى أولئك الذين يشقون طرقهم الخاصة فإذا بنا نقف وقفة حيرة وتساؤل هل ينبغي أن يبذلوا قوّةً للخروج من المسيرة؟ ولمَ يبذل من يبذل جهدًا في سبيل تحقيق ما خُلق من أجله ونبت في فطرته الباطنية التي لا تمسها يد التلوث؟ تمهيد الطريق الوعر صعبٌ ويحتاج قوةً لكن اتخاذ قرار إعمال العقل والبدء بتمهيد طريق هو حاجةٌ للإنسان كأن يعطش الإنسان فيقرر أن يشرب فهو لم يبذل جهدًا لاتخاذ هذا القرار لكنه قد يبذل جهدًا للحصول على الماء وهكذا نقيس ذاك فالاثنان من بعضهما ووضعهما في الانسان واحد فالماء حاجة جسدية وإعمال العقل حاجة روحية وكما نعجب أشد العجب عندما نرى ظمآنًا يبذل جهدًا كبيرًا ليقرر أنه بحاجة لأن يشرب بل إننا قد نبدأ مسيرة علاجٍ له عقلي أو نفسي لأنه يعاني من اضطراب وخللٍ ما إذًا  فبذل الجهد لأخذ قرار إعمال العقل أمرٌ غير وارد ووروده يعني خللًا وضعفًا في الإيمان بالفكرة والتشبع بها لكن الواقع من حولنا يخبرنا بالكثير من الفجائيات التي تلعب في موازين الأفكار المجردة تلك وتقلب الواحدة منها على الأخرى ولم أعد أدري ما بال عالمٍ ظمآنٍ يعزف عن روي ظمأه بل يجبن عن أخذ قرار الشرب فيتجاهل العطش حتى يهلك!

غفران حبيب
١٣/١١/٢٠١٤

الجمعة، 17 أكتوبر 2014

لاجئ

ترى الزهور اليانعة متمايلة القدّ فوّاحة العطر في الأرض الشاسعة، وبين ليلة وضحاها تستوي الأرض بما عليها ويصبغ الخضرة اسوداد الرماد وذاك اللون الباهت المرّ للدمار، كتلك الزهرة التي كانت ولم تعد انطمس نجم طفل تلو طفل تلو ملايين الأطفال، الغصن جفّ والطير رفّ والسهل حفّ والأنس خفّ والموت زفّ والبيت انهدم! خطوٌ يعقبه خطوٌ ونعلٌ أعقبه حافٍ والأرض تشهد، بيتٌ بل روضةٌ وسكنٌ بل وطنٌ صار بطرفة عينٍ عدماً، العين تراه شيئاً وصار للاشيء والكون يراه مساحةً ما زادت ولا نقصت والقلب يراه حزناً ودمعاً وظلماً وقهراً، لكن وحده ووحده اللاجئ الساكن في ذاك المخيم البعيد يراه حياةً وروحاً من جسده قسراً سُحبت!
البيت بيته والأرض أرضه، الليل ليله والكون ملكه، ويوماً فَقد كما امتلك، وخاف كما أَمِن وتشرّد كما سكن، والذئب يعوي والريح تمضي والبدر يحتجب، والخوف من بين الظلام يرتجل، النوم يمضي والأرق حلّ ضيفاً ثقيلاً، الطفل يبكي والكلب يزبد ويرغي والهرّ يختبئ، الوقت يمضي والمرأة تنتفض، توقظ الفتاة تجرّ الصبيّ، لسانها يتمتم حيناً وحيناً ينعقد، الخطر مُحدق الهواء مفخخ والحياة تنسحب، الزهر يذبل والكلب ينتحب، البنت تلاحق أمها تخفف همها تحمل عن ظهرها والفتى مع الأب يستمع، الوقت يمضي الصغيرة بدميتها تحتمي والطفل يبكي ما زال يبكي والنهار يأبى أن ينبلج، الصوت يزأر الصوت يصدح والحديقة تحترق! المدفع يزأر المدفع يصدح وغرب البيت ينهدم! الأم تدعو الأب يهتف الطفل يبكي والكلب لم يعد ينتحب، الدمية تسقط النار تزفر و الوطن ينسرق، عثرة تلو عثرة وخطوة تلو خطوة نعلٌ يتلوه حافٍ والأرض تشهد والسماء لخطوِهم تستمع، البيت راح البستان ضاع والهرّ ما زال يختبئ، ذكرى الطفولة تعب الكهولة ضحكات الصبيّ وكركرات البنت كلها كلها تحترق! الصبيّة..! هناك تحت الرماد روحها تنسحب، العمر انقضى البيت انتهى الطفل انطفأ، السّكن خيمةٌ والهويّة لاجئٌ وذكرى الزهر الذابل ما انمحت.
غفران حبيب
١٨/١٠/٢٠١٤

الأحد، 14 سبتمبر 2014

وقع عليك الحب

الحب ليس بالأعمى كما يقال وليس بالغر الساذج الغافل عما أمامه فالحب أن ترى عيوبه وتقرر البقاء.. وتتمسك بيده.. وتهمس له بأنك باقٍ ما بقي الدهر مُحبٍ ما استمر نهر العمر في الجريان.. ليس أعمى وإنما هو أكثر ملاحظةً وأدقّ رؤيةً وأجمل بصيرةً من عين الإنسان.. أوضح تلويناً وأعذب تصويراً.. بل هو أيضاً يرى الصوت ويسمع الشكل ويتذوق الرائحة.. هو تمرّدٌ لبقٌ وحلوٌ على قوانين العالم والطبيعة.. وحين يختارك قلب فهو اختارك لهذا التميز الفريد.. فهو يسحبك لهذا التمرّد العذب.. فهو يسألك برجاءٍ أن تمزق عهود الدنيا البائدة وتبدأ عهداً غير مألوفٍ معه.. وما إن تقبل يا رفيق فأنت وقع عليك الحب..!
فلتنسَ ذاتك الماضية ولتمزق دفاترك القديمة وتعال لتطمس مرآتك فما عاد لك من مرآة سوى عيون حبيبك تراه منها فتراك فيها.. فأنت لم تعد أنت كما كنت.. فانظر نظرة متمعنة متفحصة إلى نفسك.. إلى ذلك الجسد الذي سكنته زوجاً من سنين العمر أو فرادى.. انظر إليه كيف يُنظر إليه.. فهل رأيت في لمعة عيونك مرةً ما رآها فيها مُحبك؟ هل فكرت لوهلة قط أن تكون تلك اللمعة الرائقة أسمى أحلام أحدهم أن يجلس إليك متمعناً فيها غارقاً لأذنيه في تلاقيها مع عينيه؟ وهل استمعت يوماً لنبض قلبٍ ارتجف واضطرب لحظات مراقبة صدرك يعلو ويهبط بأنفاسك!! ذلك التنفس الذي ما انتبهت يوماً له ولا فكرت أن تراقبه يتردد داخلك فإذا بقلب عاشق لك يلحظه ويرقبه بل ويتناغم نبضه مع ارتفاع صدرك ثم تتوالى نبضة مضطربة مع انخفاضه.. عروق ذراعك البارزة لعلك لم تتمعن بها يوماً فإذا بأنامل تحترق شوقاً لتتلمسها وتتبع انحناءاتها بحبٍ جارف.. ربما لم تلحظ قط حلاوة عينيها من خلف منظارها الطبي لكن عيوناً متلهفةً رصدتها عرفت فيها جمالاً لم تألفه في بنات البشر.. وغيرها مما تعبق به أجسادنا من تفاصيل نراها غريبة كوحمة صغيرة.. جرح قديم..حسنة سوداء صغيرة..  كشفاه ممتلئة.. وجنة مشبعة بالحمرة.. شعر طويل.. قميص غير مهندم.. زر مفتوح.. لمسة إهمال طفولية.. نظرة حيرة.. لمسة مرتبكة.. ضحكة حيية.. اختلاس نظرة لمحبوبه.. حتى التفاصيل المضحكة المحرجة منك تجدها دافئةً لذيذةً في قلبه.. لو نظرت بتمعن لنفسك بعينيه لرأيت فيهما كل ذلك.. لعرفت منه ما يريد أن يفعل بكل ذلك منك.. لوددت بشوق أن تجعل عينيه تخبرك أكثر كيف يحبك هو.. لوقف قلبك عن الخفقان حين تعلم أن ذلك كله أحصاه منك في نظرة.. عشقه منك في لمحة.. لأحب ذلك وأحبه وأحبه قبل أن يتبادل معك كلمةً واحدة! قبل أن يصرف -جبراً- جزء من روحه عن تلك الأشياء ويدفعها داخلك لتلتحم بروحك.. دع نفسك القديمة وانظر إليها عبر فؤاد من أَحبّك يامن وقع عليك الحب.

غفران حبيب
14/9/2014

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

حرية مشروطة

"لا تستغرب كثيراً حين تمد يدك بكسرة خبز إلى طير صغير فتراه يولي هارباً فالحرية عنده أثمن من الطعام"
و "لا يبني العصفور في القفص عشاً حتى لا يورث ابنه العبودية"
هكذا نرى ونسمع ونقرأ وهكذا يتبادر إلى أذهاننا لحظة سماع لفظة الحرية.. جبراً وقصراً رغماً عني وعنك فالحرية طائر يحلق دوماً في جوانب الرأس لكل كائن حي ولكنه دوماً متخبط متعثر داخل الجماجم البشرية.. الحرية لا تُعلم ولا تُلقن وإنما هي شرعة للإنسان ومذهب.. بيت صغيرٌ تحتمي فيه إنسانيته.. ليست فكرة وإنما هي المنبع.. الحرية مطلقة وإطلاقها لا تعارض فيه مع الدين والأخلاق فالإنسان حين يولد يكون مفطوراً على مذهب واحد وهو الإسلام والإسلام حرية لكن الحرية باتت مشروطة.. مقُودة .. باتت حبلاً مرتخياً والعبودية حبل مشدود!! فيظن الحر نفسه حراً لكنه لو نظر مرة بتمعن لعنقه لوجد قيداً متصلاً بحبل مرتخي تقبض يد في الناحية الأخرى على طرفه ترخيه كيفما شاءت وتجذبه كيفما تشاء.. ترخيه طالما نطاق الحرية الذي يتحرك فيه يخضع لرضاها وتجذبه حين تسخط.. وكلما زاد جهل الإنسان وخضوعه زادت شدة القبضة وتمكنها وباتت تجذب الحبل لحظات السخط والملل.. تجذبه ترويضاً وتسلية.. تجذبه تجبراً وتمتعاً.. وكلما ازداد الإنسان بصيرة وازداد العقل تفتحاً كلما توترت القبضة المسيطرة.. كلما تحفزت وزادت من عدد جذباتها قلقاً لا متعةً وخوفاً لا تسليةً .. والإنسان متفتح البصيرة الذي يرى الحبل الخارج من عنقه يقع في فخ الحيرة فلا يدري للحظات أهو محظوظ أم منكوب.. أكان التفتح اختياراً صائباً أم باباً يُفتح على رأسه من أبواب الجحيم.. ومازاده ذلك إلا مشقة وعناء.. أكان يفضل أن يعيش بلا بصيرة تلمح بين الفينة والأخرى القيد الدامي في عنقه.. تصيبه لحظات ينظر فيها بحنق لأطلال الكتب التي كانت السبب في ذلك.. يبادر بالنظرات الحارقة الحانقة لعقله الذي يتململ مكانه يأبى إلا التحرر فاتحاً على نفسه وصاحبه ما قد لا يطيق.. بعين ارتفعت عنها حجب الجهل والعبودية يرمق الحبال الكثيفة التي تكالبت عليه.. يعلم جيداً أنه أرهق القبضة التي استعبدته يوماً.. يدري أن كل كتاب جديد وكل لحظة تأمل عميقة ماهي إلا زلزلة رعب لدى شارطي الحرية وكل زلزلة يعقبها حبل جديد وكل فكرة تتعقبها قيود جديدة.. يرى نفسه وحشاً هائجاً مائجاً في عيونهم.. اختلفت القبضة وكثرت الحبال لكن القيد واحد ويؤلمه..  قبضة من مجتمع وقبضة من جهل وقبضة من خزعبلات وقبضة من حكام ورؤساء.. قبضة من رئيسه في العمل وقبضة من زوجها.. قبضة بشرية وقبضة روحية وقبضة مادية.. ولا يفيد تلوي الجسد ولا تململ العقل سوى تحرر الألم من سيطرة المسكن.. الحرية المشروطة جعلت الثقافة والفكر والتفتح دراية بالقيد وزيادته والدراية منتصف الطريق.. الهاوية الجاثمة على باب الحرية وكم من كثير وكثير سقطوا فيها.. كم من ألم أعيا عقولاً وأجبرها على العودة للقبضة الأولى.. كم من أجساد فضلت العودة للقيد الوحيد المرتخي على أن تجثم بين ملايين القيود المدمية.. وقلة هم قلة من عبروا الهاوية وتمزقت قيودهم.. قلة من عاشوا بلا قيود.. أو فلنقل ماتوا وقُتلوا فالحر في هذا العالم مصيره القبر طالما تمرّد..!
ويبقى الاختيار بين حياة في العبودية وموت بالحرية لكن الحياة بالحرية صارت أسطورة لا تُعاش
In the world of slavery I'm a monster
والوحوش لا يُسمح لها بأن ترتع حرة بهذا العالم

غفران حبيب
7/9/2014

الاثنين، 4 أغسطس 2014

قبر

القبور مظلمة.. دوماً هي كذلك.. الصمت يعبث بأجزاء الفراغ حيث لا سلطة ولا كلمة عليا ترتفع على أنين الموت العميق.. لا يهم أبداً من أين جاءت فجميعها أمام الموت سواء.. عندما يعلن الصمت سطوته يصبح من السهل سماع أنفاس الموتى.. همهمة الذكريات في كل قبر تحدث ذلك الإحساس المقبض للموت.. كم شخصاً تحلى بالشجاعة ليزور المقابر ليلاً.. ساكنوا المقابر فقط اعتادوا تلك الهمهمات.. تجربة لا آدمية أن تستمع لها آلاف الذكريات تصطك ببعضها ليلاً حيث يصبح الحفاظ على العقل ضرباً من الجنون.. كأن الجثث تتسامر فيما بينها تتشارك تتحدث.. ولكن قدسية الموت تجعل من حديثها ذاك جحيماً لأي حي يسمعه.. ربما ليس الجحيم مقتصراً على الأحياء فقط.. القبور تحتضن الموت والموت يحتضن الأسرار.. كقلبٍ يخفق تحت طبقات القبر!!  بضعف ووهن.. يخفق بلا حياة.. يستمع كل ليلة لهمهمة الذكريات.. يصرخ ولا يجيب من مجيب.. فقط ليلة من تلك الليالي تسللت أصابع باردة بين ضلوع ذلك الصدر.. قبضت عليه وانتزعته.. حين بزغ الفجر سكن بجوار الجثة قلب مسحوق خامد النبض.. أرادت ااذكريات فقط أن تستمتع بدون الاضطرار إلى وجود نبضه بين همهمتها
5/8/2014

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

عالم بلا إنسانية









منذ 5 أو 6 سنوات قرأت قصة بعنوان ((يوتوبيا)) كاتبها أحد قراء سلسلة روايات كوكتيل التي يكتبها د.نبيل فاروق .. كانت تتحدث عن تحديد النسل والقضاء التام على نسل الفقراء حيث يتم تقسيم المجتمع لـِ 4 طبقات (أ) الطبقة الراقية و (ب) التي تليها و (ج) و (د) بحسب ذاكرتي الطبقتان اللتان يخضع أفرادهما للتعقيم الجراحي لمنعهم من التناسل كوسيلة للقضاء على الفقر بالقضاء على الفقراء ,, ليست حلا أبدا أن تمنع إنسانا خلق مثلك من حقه الطبيعي الذي هو أيضا حقك لمجرد أنك ولدت غنيا وولد هو فقيرا .. لمجرد أن الملايين تنحني لتدخل جيوبك وأنت جالس على مكتبك الفخم بينما تسقط الملاليم من جيبه أثناء انحناءه في المجاري!!

وليس حلا أيضا أن يترك الفقراء أنفسهم ليزيدوا من عدد البائسين في هذا العالم

فما الفائدة من زواج الفقر من البؤس سوى المزيد من أطفال الشوارع؟

كلحظة تخيليلة .. نظرة للعالم لو ازداد الفقراء طموحا واجتهادا وازداد الأغنياء طيبة وإيثارا .. لو تحركت بعض الأموال من جيوب الأغنياء واستقرت بجيوب الفقراء

لكن هل يقبل أحدهما التغيير؟ ائتني أولا بمن يقنع الفقير أن فقره حال قابل للتغير بالاجتهاد آتيك أنا بمن يقنع الغني بالتنازل عن المال

كلٌ ثابت بمكانه ومطلوب من العالم أن يتغير

فمن العالم؟!

نحن العالم! .. تخيلوا :)


غفران حبيب
8/4/2014



الخميس، 3 أبريل 2014

صرخة استغاثة



انشق الطريق عن فتاة صارخة مستغيثة, ململمة أشلاء ثيابها الهاربة منها, ولجت الشارع تائهة العينين بين الوجوه المنتبهة لصراخها والعيون الفضولية, بين أنفاسها المفزوعة ودقات قلبها المتوثب نجحت عدة حروف بالتحرر من فيها صانعة جملة استغاثة واضحة النبرة تائهة الأحرف!
على إثرها رجلان متهاديا المشية لامعا الأعين, كذئب يلعب بفريسته قبل التهامها, لم يغير وجود الناس منهما شيئا ولا العيون الجامدة المتكاسلة من عزمهما, دارت حولها متلهفة .. فزعة .. يائسة .. طالبة العون من عيون كانت تشيح عنها كلما التقت عينيها, وعيون ضباع أفزعها الترقب والشغف المتوثبان منها!!
خارت قواها, ارتجفت أوصالها, عجزت القدمان عن المضي بعد ذلك, وقفت بهلع تنظر مصيرها, دفعة بسيطة كانت كفيلة ببطحها أرضا, في ثانية سقوطها لمحت بمرارة عيونا ناظرة! شعرت بكبرياء وكرامة تشتت على الأرض تحت جسدها, رأت نخوة ورجولة في قلبها أكثر مما هي في أجساد من حولها! عصا مدببة الطرف هي كل ما تحسسته أناملها وهي تحاول لملمت ذاتها المعروضة بأرض الشارع, لحظات لا تذكرها كثيرا, لا تذكر كيفية استقرار تلك العصا في العنق الغليظ القمئ, لكنها تذكر جيدا وقفتها الثابتة بعد انسحاب الآخر, تذكر لمعة الكبرياء والاحتقار في عينيها لمن حولها, تذكر أن أشلاء ثيابها كانت أكثر سترا وعفافا لحظتها من أطنان ثيابهم, تذكر أنها من يومها حملت رجولة كامنة تحت رقرقات أنوثتها

غفران حبيب
3/4/2014 

الجمعة، 28 مارس 2014

ضلع أعوج




الباشا صاحب لقب "الذكر" مستحقه بفحولة عربية شرقية جلس بمجلسه الموقر ينهش بلسانه في غمار سيرة حواء .. يلقي الأحكام الأبدية بصفاقة ورفعه كشهريار زمانه .. تخرج حروفه الموحلة من أعالي أنفه ملقيا إياها لعكر الجلسة المصطبغة بفخامة الشوارب المزيفة .. ترتفع ضحكاته مع آثام لسانه لعلو مع سحب دخانه الذي اصطحب ما تبقى من عقله مغادرا جسده .. شفتاه تتراقصان بمجون على وقع أعراض تاء التأنيث المهملة دوما في آخر الكلمة .. يهتز جسده المنزوع من أحشاء واحدة من اللواتي يلسعهن سوط لسانه بلا رحمة .. يلقي باشمئزاز بالكلمة الخاتمة "إنهن مخلوقات من ضلع أعوج!" ..
قبل أن يتقيأ أحدهم بسموم أخرى من حنجرته كان يسيطر على أنفاسهم ويلوي أعناقهم حضورها!
حضرت "الأنثى" بثقلها وتمتمة قدميها مدغدغة الأرض تحتها .. تنحى الدخان جانبا تاركا لندى عطرها إسكار رؤوسهم الفارغة .. اهتز القوام الممشوق فارتجفت قلوبهم برجفة خلخالها! على أنغام الموسيقى تمايل العود الطري فما سمعوا من النغم سوى عزف أنفاسها .. "الذكر" سلبت إرادته تحت نداء جسده النابض بعنف على إيقاع جسدها .. اعوجّ خصرها .. فتساقط كبرياؤه .. فتساقط عقله .. فتساقط لعابه!!
((يقولون خُلقت من ضلع أعوج .. وهم باعوجاج خصرها يتساقطون!))

غفران حبيب
 29/3/2014

الخميس، 27 مارس 2014

نص ميت نص عايش

يا أموت بجد
يا أعيش بجد
مش عاوز أكون
نص ميت نص عايش!

يا أفضل حقيقة
يا أبقى ذكرى
مش هفضل ميت
والحياة حلم هايش!

يا أكون تراب
يا أكون إنسان
مفيش وسط
مش هبقى بايش!

يا أطلع لفوق
يا أنزل لتحت
مش هقف وأفضل
طول عمري كاشش!

يا أمشي الطريق
يا أخلق طريق
مش هفضل عدم
مش هبقى طايش!

يا تفضل معايا
يا تسيبني أموت
مش هفضل لروحي
طول عمري حايش!

يا تبقى جنبي
يا تبقى ضدي
خليك معايا
خليك ويايا
بلاش تسيبني
بلاش تكسرني
خليني جنبك
خليني قربك
ده أنا حلمي اني
مموتش مني
ويبقى اسمي
جثة عايش!

غفران حبيب
27/3/2014
 

الخميس، 27 فبراير 2014

دعوة لتشغيل المخ!

بعض الحكم!
انتشرت هذه الظاهرة بشدة .. وما هي الظاهرة؟ ظاهرة تدوين الحكم الصغيرة التي يطلقها مختلف الكتاب وبعضها أو أغلبها يكون اقتباسا من كتاب او رواية او مقال لذلك الكاتب فما ان يقوم عدد من الأفراد في تدوين تلك الجمله التي يطلقون عليها اسم ((حكمة)) حتى تبدأ بالانتشار كالنار في الهشيم ويدونها كل من هب ودب سواء كان عالما بمعناها أو جاهلا به!
على الأقل فهؤلاء لهم نصيبهم الكافي بشده من الشفقه واحيانا نظرات نفاد صبر منك
أما الكارثة الحقيقيه فهم المتفلسفون بجهلهم!
الذي ما ان يقع في موقع أو موقف أو احساس من بعيد كان أو قريب يمت بصله لتلك الحكمة الرائعة الرنانة التي ما ان قرأها حتى أخذت تدوي في عقله مرارا وتكرارا وهو يبحث في كل شبر في حياته عن موضع يستحق ان يدونها بثقة متناهيه ناظرا باستخفاف لكل من يسأله عن سببها! فهو بالطبع لديه سبب قوي جدا!! حتى تراه يطبعها في كل مكان حتى على جدران الغرفه
ولكن كنصيحه مني لا تسأله السبب لأنه ما ان يبدأ في الكلام ستجد عينيك تتسع بدهشه وتفغر فاهك الذي يصبح عرضه للذباب ثم ستبدأ أرقام 1111 في التكون على جبينك محاولا ايقاف هذا السيل من الجهل الذي ينسكب على اذنك
فقط أولئك الفلاسفه العظماء الجاهلون لا يدركون أن تلك الجمله تم اطلاقها في موقف معين وظروف معينه وهي ليست قرآنا يتم وضعها كـ ((حكمة)) لا جدال فيها في اي موقف -يعتقد هو بفلسفته- أنه  مناسب جدا لاظهار براعته الثقافيه والفلسفيه
تلك الـ ((حكم)) كانت مجرد تعقيب على موقف ذكره الكاتب في كتابه او روايته وهو ملائم ومناسب لذلك الموقف وحده واي ملائمة أخرى لتلك ((الحكمة)) مع موقف آخر فهو من باب الصدفه البحتة كأن تتناسب اجابه واحده مع سؤالين
أما اقتصاص ((الحكمة)) من سياقها ومحاولة تلفيقها والصاقها غصبا بأي موقف يمر في الحياة فهو جهل شنيع
لذلك فالايمان بتلك الحكم بدون تفكير واعتبارها شاملة على كل جهات الحياة ومطلقة هو طريق مظلم بلا نهاية وثقافه ضحلة وأساس نخر هش للوقوف في هذه الحياة
مجرد الاطلاع يكفي والايمان بحكم شخصية يضعها الشخص بنفسه في المواضع المناسبة لحياته ويتبعها
عندئذ يكون على الطريق الصحيح

غفران حبيب
27/2/2014

الثلاثاء، 25 فبراير 2014

مقهى



تنتثر كراسي المقهى الخشبيه بلمعان رذاذ البحر عليها عابقة بملوحة مسكرة على الشاطئ الرملي تحت الغطاء الأسود الناعم الذي أسدلته السماء, على أحدها يجلس اثنان وسبعون عاما من خلاصة الحياة, خلاصة من نوع آخر! حاجابان عريضان شائبان تختفي خلفهما عينان فضيتان لامعتان ذابت لمعتهما بين أهداب الجفون المسبلة بهدوء تاركة بصيصا هادئا سمح للبحر أن ينظر إليه, كل يوم يتخذ هذا المجلس النائي قليلا عن بقية البشر , رغم ان المقهى يغزوه الهدوء كضي قمر يتسلل عبر الستائر بين الظلام, لسبب غير مفهوم يقصده كل الصائمين عن الكلام العازفين عن رؤية الناس, تجتمع فيه العديد من العوالم الخاصه! بل تولد بقلبه عدة عوالم, حيث يتقوقع كل منهم على أحد الكراسي سابحا بعالمه متأملا أمواج البحر بصمت ظاهري وضجيج داخلي مزلزل! اعتاد العاملون بالمقهى تلك الوجوه الجامده والعيون المتقدة, حتى أنهم في الأيام التي يرتفع فيها الموج ثائرا هادرا كانوا يتساءلون ما إذا كان ذلك حقا اضطراب البحر ام اضطراب اصحاب العيون المحدقه فيه بثبات مخيف! يبدو لهم أحيانا كأن قوة خفيه تنبعث من هذا الجمع الصامت! يبدون مهيبين منسجمين متناسقين متفقين بصمت على التحديق الثابت بتلك الأمواج, يتساءلون هل أصيب البحر مرة باهتزاز ثقه بالنفس؟! حين يحدق إليك أحدهم بهذا الاصرار والثبات وتلك العيون المتقده لسبع ثوان فأنت تحسبه على وشك قتلك! فما بالك بتحديق يدوم لسنوات !! لكن الاجابه دائما كانت زمجرة من قلب البحر الغاضب من تلك الأفكار! فما خُلق بعد من يقهر الجبار, هم يحدقون به ليحتويهم لا ليقهروه! هو يستقبل نظراتهم بأمواجه واضطراباتهم باضطرابه, هو يشاركهم وقد يخفف عنهم برذاذه المالح المنعش الذي ينثره على وجوههم , يعزف للكون أغنيته الأبدية التي تملأ أرواحهم حد الثماله, يدري أن كلا منهم يعود أدراجه .. يتدثر بأغطيته ذائقا ملوحة البحر في فمه .. سامعا هديره في أذنه, اعتاد العاملون أيضا الشرود وتكرار الكلام أكثر من مرة برفق وصبر حتى يخرج الزبون من قوقعته على مضض مجيبا بهمس مع الوقت اعتادت آذانهم تمييزه, اعتادوا ظهور البعض واختفاء البعض, البعض يرتاد المقهى لفترة وينقطع لفترة ثم يعود ثم يختفي بتتابع عجيب, البعض يأتي مرة ولا يعود والبعض يأتي مرة ولا ينفك عن العودة لسنين بلا انقطاع! والمقهى يرقبهم جميعا بعين يقظة منذ يوم انشائه, تحترم جدرانه صمتهم فانسحبت عنهم تاركة أرواحهم الحبيسة طليقه خارج حيزها منطلقة لأحضان البحر الهائج, وعلى قوة ذاكرة ذلك المقهى القديم فهو لا يذكر منذ متى وصاحب العينين الفضيتين متربع على عرش أحد أركانه, توقف بعد مدة عن احصاء السنوات, علم بخبرة قوالب طوبه الحجرية الراسخه وبهمس الكراسي فيما بينها على أبواب الفجر بعد أن يرحل الجميع أنه باقٍ للأبد! توقف عن النظر إليه بفضول واهتمام كلما رآه من بعيد متجها نحوه بخطى دقيقه محسوبة, ظهره محني قليلا وقدماه تبدوان كأنما تحفران آثار خطاه وهما تخطوان بتؤدة وبطء, يشبك يديه خلف ظهره ويسير, يجلس على ذات الكرسي الذي ينتظره بصبر كل يوم, فقط لحظة قدومه .. يشعر المقهى باكتماله! يشعر بأن كل شئ صار على أفضل ما يرام, لا يدري حقا ما يفكر فيه العجوز ولا ما ينتظره على كرسيه الأبدي هناك! كرسيه الذي بات يرفض استقبال أحد غيره, قد يلاحظ أيضا منذ بضع سنوات أن العجوز لم يتجاوز الثانية والسبعين, لكنه لم يعر ذلك اهتماما كبيرا, ولم يمنعه ذلك من انتظاره كل يوم ليكتمل به وجوده

25/2/2014
غفران حبيب


الثلاثاء، 18 فبراير 2014

منطوي

أحيانا قد يكون الانطواء راحة والبعد عن البشر نعيما وقد تختلف البدايات وتتوحد النهايه في الابتعاد!
قد تكون البدايه طبيعة شخصيه أو صدمة أو حالة اكتئاب أو عقبه في الحياة غيرت مجراها تماما ولم تعد الحياة بعدها كما كانت قبلها .. وقد يكون .. مجرد اراده وقرار!
مجرد رغبه وحنين للوحدة التي جئنا منها ونحن ذاهبون إليها
لفترة قد ترى نفسك مرتاحا رائق البال رائعا .. لم يخلوا الامر أبدا من لحظات وحدة قاتله وموحشة .. لحظات قادرة على اجهاض أنفاسك بعنايه ومتعه وتلذذ بينما أنت تحتضر
لكن فكرة الخروج من فردوس الوحده لجحيم البشر تجعل احتضار الوحده نعيما وتعذيبها لذه ووحشتها أنسا
لكن .. وليت معاجم اللغه خلت من كلمة لكن
ليت التاريخ سحقها تحت ثقله فاختفت من الوجود
تلك الكلمة التي تعشق تحويل كل متعه أو لذه في حياتنا إلى تنغيص دائم وقلق مقيم
لكن ..
سيأتي وقت .. سيأتي شخص .. او حتى سيقرر عقلك .. الخروج من تلك العزلة جزئيا .. ستقرر أن أحدهم سيحطم القوانين وكل أسوار الحماية التي وضعتها حولك حماية لذاتك وخصوصا لو كان الانطواء والوحدة صفه مستحدثه عن شخصيتك وطفرة غير أصليه فيها ولم تكن يوما بها
فصاحب الشخصيه المنطوية وصاحب الشخصية المنفتحه التي أُجبرت على الانطواء مختلفان كاختلاف الأبيض عن الأسود!
فالأول متى شعر برغبه في الخروج خرج ومتى أحب ضم شخص لحياته ضمه
أما الثاني فهو كطفل صغير ذاق الم العصا مرة فصار يرجف كلما سمع صوتها تشق الهواء او رآها من بعيد
قد يجمع قلبه وعقله على الخروج .. على الانفتاح
لكنه خائف .. عاجز .. مثله كمثل مريض بالبارانويا حُبس فجاة في خزانة بالكاد تحتمله وقيل له ببساطة "اهدأ"!
هو فقط - ولا تعجب - لا يدري ما يفعل!
يجد صعوبة في الخروج من قوقعته مثلما يجد المدمن صعوبة في هجر المخدرات
يقف عاجزا لا يعرف ما يقول او لا يقول
ما يحكيه وما يصمت عنه
وهو متشكك متردد يحاول حماية ذاته بأي طريقه
يشعر بنفسه عاريا من اي دفاع او حماية
تتسرب إلى داخله ذكريات تجعله يحجم
وبينما هو في جحيم صراعه الداخلي
يزيد من حوله له الأمر تعقيدا
قد يحاولون مساعدته لكن لا تنجح دوما المحاولات
عندما لا يطلب مساعده فهو ليس متكبرا وانما هو خائف من الخذلان حتى لو كان من امامه ابعد شخص قد يخذله
فقط عندها تتراءى بذاكرته ذكرى خذلان لشخص لم يتوقع يوما ان يخذله
عندما يمتنع عن الكلام فهو لا يدري ان ذلك قد يغضب الطرف الآخر
هو فقط يحاول الشعور بالأمان النفسي باكتساب الهدوء وقله الكلام
يخشى زلات الكلام ويخشى الاحراج كثيرا يرى ان تفاصيل حياته غير مهمه ولا يعي مقدار اهميتها فلا يتحدث عنها
عندما يكون في موقف او مقبل على شئ كدخول مسابقه مثلا فهو يمتنع تماما عن الكلام _ وخصوصا_ مع اقرب الاقرباء له ليس اقصاء لهم بل طلبا للامان لنفسه
يخشى الفشل امامهم
اعتاد على مجابهه كل شئ في حياته وحده والفشل اسوا ما قد يواجهه الانسان فكيف له أن يفضح فشله بهدوء هكذا!
قد يُسأل عن اسبابه فتكون اجاباته لمن امامه واهيه لكنه لا يدرك ان تلك الاجابات قوية ووطيده وعنيفه جدا بداخل قلبه ونفسيته
للمنطوي نفسيه معقده متشابكة تتخلها خذلات الماضي وذكريات قد تدمر بسعاده كل علاقه اجتماعيه يحاول ان يبنيها
هو فقط يحتاج للوقت والتفهم
عندها قد يتغير!


غفران حبيب
18/2/2014