الخميس، 27 ديسمبر 2012

المطر







وقفت لبعض الوقت اراقب الناس من حولي وهم يركضون هنا وهناك, امرأة تحمل جريدة وضعتها فوق رأسها ورجل خبأ طفله في احضان معطفه ويركض, قطة ركضت ودخلت في برميل على جانب الطريق, سمعت صوت صراع ومواء وخربشات فقد كانت هناك قطة اخرى داخل البرميل ثم هدأ الصوت رويدا رويدا, من الواضح انهما رضيا بالجلوس معا واستكانت كل منهما الى دفء جسد الاخرى , جرو صغير ينبح بصوت ضعيف جاءت والدته وحملته الى احد المخابئ واخذت تنظفه والمسكين يرتجف, صوت الرياح يصفر في اذني والتصقت خصلات شعري المبللة بجبيني بعضها طويل غطى عيني, نظرت حولي..لقد صرت وحدي ف الطريق, خلعت معطفي وتركته يسقط ارضا, رفعت رأسي الى السماء وتركت قطرات المطر تضرب وجهي برفق وتنساب من ياقة قميصي الى جسدي, شعرت ببرودة تلك القطرات وهي تسيل على صدري وظهري الدافئين وبعضها كان يدغدغني. كانت شفتاي منفرجتان قليلا فشعرت بطعم المطر العذب يمحو جفاف حلقي, حاولت فتح عيني ولكن الماء دخل فيهما واحرقهما فأغلقتهما بشدة وظللت واقفا هكذا بلا حراك, كانت قطرات المطر الباردة تنساب على اجفاني المغلقة برقة وكأنها تواسيها وبرغم ذلك شعرت بقطرات ساخنة ملتهبة على وجهي, تهرب بسهولة من بين اجفاني المسبلة وتتلاقى القطرة الباردة الخجولة من المطر مع دمعتي الحارة فيمتزجان معا وتذوب كل واحدة منهما في الاخرى ثم يمسحان بدفء على وجنتي, تسللت احداها بين شفتي فشعرت بها دافئة جمعت بين عذوبة المطر وحمضية الدموع في تناغم عجيب, انهمرت دموعي اكثر واكثر..لكم احب المطر فهو المكان الوحيد الذي لا يعرف احد فيه انك تبكي..المكان الوحيد الذي تبكي فيه وتبكي ولا تلاحقك العيون والنظرات ولا تمزق خناجر الشفقة كرامتك بلا رحمة, عندما تسير في الشارع وبدون اذنك تخرج دموعك للعلن, ترى طفلة صغيرة تنظر اليك برقة وبراءة والحزن في عينيها لمرأى دموعك ثم تجذب معطف والدتها وتهمس:"لماذا يبكي هذا الفتى؟" فتسحبها والدتها بعيدا وهي تحرقك بنظرات الشفقة, وماذا عن اثنين مثل الزهور مشيا متقاربي الرأسين متهامسين تتشابك اصابعهما وعندما يرياك تفيض الشفقة من عينيهما فتكوي صدرك وتقبض قلبك وتضغط عليه بقوة وقوة حتى يكاد يلفظ انفاسه الاخيرة, تهرب من امامهما فينسياك ويعودان ثانية الى همسهما, عندها تعلمت..تعلمت الا ابكي ثانية امام احد..تعلمت ان احبس دموعي وابتلع المرارة التي تدمي قلبي ولكن لا يجب ان تظهر امام الناس والان انا وحدي تحت المطر..فقط انا والمطر..دع برودته الحلوة تطفئ نار دموعي المتأججة, تمتد يدي لتفتح ازرار قميصي وأترك المطر البارد يضرب صدري لعله يمحو بعضا من المي, ودموعي ماتزال تنهمر, من قال ان الدموع جميعها بطعم واحد؟! كل دمعة لها طعم يختلف عن الاخرى, دموع الخوف باردة في طعمها حتى ولو كانت حارة في اصلها, ودموع القهر مرة تمزق جوفك, اما دموع الالم فهي ملحية بطعم الصدأ تماما كطعم الدم, من قال ان الدموع جميعها بطعم واحد؟! ان من قال ذلك لم يجرب البكاء في حياته قط, لكن الدموع المتناغمة مع المطر لها طعم مختلف يمسح كيد حانية على الجرح فيشفيه, انه جميل..دافئ..ناعم..حنون

ما اجمل البكاء تحت المطر!

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



الأحد، 23 ديسمبر 2012

طفل في الظلام



بين ثنايات الظلام وطيات السكون المخيم تحرك جسد حركات خافتة مالبثت أن سكنت, لم يقطع الهدوء سوى صوت أنفاس متقطعة متهدجة بدت وكأن الموت يجثم بثقله على صدره يعد عليه الأنفاس, دخل شعاع فضي للقمر الغرفة, التمع على دمعة ولدت من بين جفنيه المسبلين, اختفى قبل أن تموت الدمعة على أطراف شفتيه, ثانية مرت بين مولدها ومماتها ضن بها عليه الضياء فاختفى قبل تمامها, شعر بيدين للظلام بل بأيدي عديده تعبث به,تمتد إلى جنبات روحه وأعماق قلبه الصغير المتألم, تملأ عقله وتسيطر على أطرافه الباردة الهامدة يأسا, صرخ فلم تخرج صرخاته ولم تعبر الشفاه, بداخله طفل صغير جلس متسع العينين, أخذ يتحسس برهبة الظلام, يدير عينيه هنا وهناك, يرتجف من وحشة الفراغ, عض على شفته السفلى, ارتجفت يداه وانقبض قلبه بألم, كوى الألم عقله فقرر وترك للطفل داخله العنان, انفجر الطفل في البكاء والصراخ, يبكي فزعا من الظلام, يصرخ بلا جدوى في الفراغ, تألم لبكاء الصغير, لف ذراعيه حول نفسه يحتضنه.......فلم يحتضن سوا الهواء, أحكم غلق ذراعيه على صدره يرجو الطفل أن يكف عن البكاء, تمنى لو يساعده ولكن هيهات, أأبكى الطفل سوا الظلام؟ أأبكى الطفل سوا الفراغ؟ أأبكى الطفل سوا قسوة الحياة؟ شعر برغبة في الاحتواء, شعر بلهفة للضياء, شعر بشوق للذهاب إلى السماء, الطفل يبكي يذرف روحه مع الأنات, ترك الطفل يفعل ماعجز عنه الجسد انصياعا لقوانين الحياة, تركه يفعل مايشاء, يبكي ويصرخ ويركل الجدران, ركلاته بدت كقنابل مدوية على جدران صدره لم يملك أمامها سوا الاستسلام, صرخات الطفل تهزه, فليصرخ علّه يسكن ذلك الألم, دموع الطفل تلهبه, فليبكي علّه يغسل مرّ الذكريات, صوت بكاء الطفل يتهدج ويخفت, يجهش ببكاء منخفض متقطع الأنفاس, مابالهم لا يرحمون طفلا صغيرا.....طفلا بريئا.....لم يذق دنس الخطايا والخيانات؟ ألم يعلموا أن بداخله طفل لم يرد من الحياة سوا الحياة؟! أيرضون أن يقتل أطفال أرواحهم بلا ذنب إلا أنهم أتوا لهذه الحياة؟! ضم ركبتيه إلى صدره ودفن رأسه بينهما, اختفى جسده بين طيات الظلام, خفت صوته...وخفت....وخفت....نم أيها الطفل الصغير فعذرا.....بيننا من بخلوا على أطفال مثلك بالحياة.

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
23/12/2012


الجمعة، 21 ديسمبر 2012

"نصل لامع"

"أخيرا" نطق عقلي هذه الكلمة براحة وشئ من الطرب والانتصار, وبين يدي أخذت أقلب كنزي الثمين, مقبض كبير وثقيل تلتف حوله أصابعي فيملأ يدي في ثقة, أحركه فينعكس الضوء على نصله الرشيق اللامع, لماذا يبعدونني عن هذه المعجزة؟! إنها.....إنها.....إنها جميلة, أذكر أنني مرة عندما كنت صغيرا جلست أشاهد أحد الأفلام, كان هناك الكثير من الدماء والصراخ لكن ماجذب انتباهي ذلك النصل الصغير اللامع, يبدو بريئا بارقا من بعيد لكنه في الحقيقة.....حقا لا أدري, تذكرت.....أمي لديها مثله في المطبخ, انسللت بسرعة إلى المطبخ ووقفت في هيبة ووقار أحدق في تلك النصول التي تلمع في الظلام بضوء الحجرة المجاورة, مددت يدي الصغيرة المرتجفة أسحب إحداها, تحسستها أولا بأناملي وسرت قشعريرة في جسدي من برودة تلك النعومة, قررت والتفت أصابعي ببطء حول النصل, تأكدت من إحكام غلق يدي عليه حتى لا يهرب, قبضت بقوة وسحبته من مكانه, في تلك اللحظة أضئ النور ودخلت أمي وارتفع صراخها, أنظر لتلك الدماء التي تقطر على الأرض وأنا أتساءل عن مصدرها! وأمي مستمرة في الصراخ, لا أذكر جيدا ماحدث بعدها لكني كنت في أشد الضيق والغيظ لأنهم أخذوه مني, والآن أنا وهو وحدنا, لطالما كنت مغرما به, كيف يفعلها؟ كيف يتظاهر بهذه البراءة وهو يستطيع عمل المعجزات؟ لماذا لا يخبرني؟ تك...تك...تك...صوت تلك القطرات يزعجني حقا, أنظر إلى لونها الأحمر القاني وأبحث بحيرة عن مصدرها, رسغي ينتج المزيد من ذلك السائل الأحمر اللزج والنصل أيضا تخضب بهذه الحمرة, ياله من رائع إنه قوي حقا! في لحظة كان باب الغرفة مفتوحا على مصراعيه وأنا أتمدد أرضا وفوقي رجلان, سحب أحدهم النصل من يدي فتأففت في تذمر, أصوات تصرخ وتتصايح:

"من أعطاه السكين؟"
"من أين يأتي بكل هذه السكاكين؟"
"سيقت نفسه مرة لو لم نصل في الوقت المناسب"
"أطباء أنتم أم غفراء؟ ماذا سيحدث لو قتل نفسه؟"
لم تعد تهمني أصواتهم سأنتظر خلوتي التالية في صبر مع نصلي الحبيب.

بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
29/11/2012

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

ليلة ذكريات


رن هاتفي المحمول فنهضت إليه في تكاسل, نظرت إلى الاسم الظاهر في استغراب أنبش قبر ذكرياتي بحثا عن هذا الاسم وصاحبه فمن المعروف عني ذاكرتي القوية في تذكر الأسماء, فلو أني توقفت عن ذكر اسمي اوتوقف الاخرون عن مناداتي به لبعض الوقت لنسيته!!! "باسم" كان الاسم يبرق امامي على الشاشة الصغيرة ومعه بدأت ذاكرتي تعود إلي, أيام ثانوي, عماد وباسم وأنا, أذكر الهروب من المدرسة وتسلق سورها وعم محمد يركض خلفنا بسنوات عمره الستين وعصاته الغليظة وعيناه تقدحان شررا, أوقفت ذكرياتي قبل أن يتوقف الهاتف عن الرنين ورفعته إلى أذني مجيبا :"آلو...." اخترق أذني صوت باسم الجهوري:"ياسر,كيف حالك يا صديقي؟ اشتقت إليك كثيرا" وكعادته منذ معرفتي به لم يمهلني فرصة الإجابة على سؤال أو تحية وأنا أختلس الثواني التي يأخذ فيها أنفاسه لأتحدث قبل أن يقاطعني ثانية:"أنا آت اليوم إلى الاسكندرية وعماد موجود فيها منذ يومين ففكرت أن نتقابل" كنت أصغر إخوتي والأعزب الوحيد بينهم لذلك أعيش مع والداي ولحسن الحظ كانوا مسافرين لمكان ما -لا أذكره بصراحة- لشئ ما - لا أعرفه أيضا- المهم أن الشقة مفتوحة لاستقبال صديقي طفولتي ليومين, لن يمانع أحد وهكذا اتفقنا وفي اليوم التالي كان ثلاثتنا في صالة المنزل نتبادل العناق والقبلات, تغيرنا حقا وصرنا رجالا برغم أننا كنا بالأمس صبية يظهر الزغب الخفيف فنفخر به كشارب رجل بتنا نجزه جزا الآن,بدلا من تلك الشعور المرتبة والثياب المتناسقة كنا نرتدي الشورت والكاسكيت الملطخين بالطين بعد لعب الكرة ونتسابق بدراجاتنا, جلسنا معا نسترجع الذكريات ونختلس من الزمن بضع لحظات حلوة لا نظن بأنه يضن علينا بها, وبما أننا لا نجيد الطهي طلبنا الطعام من أحد المطاعم وبعد ساعة رن جرس الباب, نهضت لأفتح, كان السلم مظلما تماما ولا أثر لأي إنارة ولم أستطع رؤية الرجل الذي أمامي إلا من ضوء الشقة المنبعث من خلفي, كان يرتدي كاسكيت يميل على وجهه راسما ظلا قاتما حاجبا عينيه عني, شعرت بالضيق وبرغبة في رفع الكاسكيت إلا أن ذلك كان خروجا سافرا عن حدود اللياقة, لم يرحني ذلك الشخص كثيرا خاصة أنه لا يتحدث بل يتعامل كآلة, أخذت منه الطعام فاقشعر بدني عندما لامست برودة أصابعه, يستحيل أن يكون لأحد أصابع في هذه البرودة, قد تصل برودة أصابع بعض الناس إلى ذلك الحد شتاء.....لكن المشكلة أننا في منتصف شهر يوليو!!! أخذت الطعام وأخبرته بأني ذاهب لإحضار النقود وبالطبع أغلقت الباب, عندما عدت فتحت الباب وأنا منهمك في ترتيب الأوراق النقدية المبعثرة بين يدي, رفعت رأسي لأجد السلم مضيئا وليس هناك أحد! خطوت خطوتين خارج الباب أنظر إلى السلم حتى باب البناية فلم أجد أحدا! عدت إلى الداخل أضرب كفا بكف واتصل بالمطعم أخبرهم أن الععامل أحضر لي الطعام ولم يأخذ النقود, فرد علي عامل الاتصالات في المطعم الذي يكره نفسه جميع الزبائن والمتصلين ببرود أن الطلب الذي طلبته لم يتم إرساله بعد وربما يـاخر قليلا, صعد الدم إلى رأسي فصحت به أن يلغي الطلب وصفعت السماعة في وجهه, أنا لن أتوسل إليهم ليأخذوا نقودهم, عدت إلى عماد وباسم بالطعام وهما يلعبان الورق وسألاني عما حدث, حطيت له ماحدث بسرعة واستخفاف فانفجر باسم ضاحكا أما عماد فرمقني بنظرة صامتة لم أفهم حقا معناها, واستمرت السهرة بين أكل وضحك ولعب وذكريات, خيل إلي سماع صوت رياح ولكني لم آبه فمن المستحيل أن توجد رياح في مثل هذا الجو الحار الخانق, بعد وقت قصير بدأت أسمع زئير الرياح, لاشك في ذلك هناك عاصفة وقبل أن أدرك أو أسأل كانت أوراق اللعب تتطاير والنوافذ والأبواب تغلق بقوة وصوت مفزع, نهضت إلى النافذة افتحها فلم يقابلني سوى لفحة هادئة من نسيم عليل ترطب حرارة الجو! من أين أتت الرياح؟ قبل أن أنطق بالسؤال بدا على عماد أنه فهمني فأشار لأوراق اللعب, نظرت إليها في حيرة ثم فهمت لتزداد حيرتي! كانت الأوراق متناثرة.....باتجاه النافذة! ومن الطبيعي أن تتناثر عكس اتجاه الريح فلو نظرنا لوضعها ذاك لوجدناها تقول ببساطة أن الريح كانت آتية من اتجاه الباب لا النافذة! وهذا مستحيل فباب الغرفة يؤدي إلى بقية أرجاء المنزل وأنا طوال حياتي في هذا البيت لم أر قط اعصارا مارا بصالة البيت أو عاصفة قادمة من المطبخ مثلا! تبادلنا أنا وعماد النظرات غير فاهمين في حين نهض باسم يلملم الأوراق قائلا:"لعل الرياح أتت من شرفة صالة المنزل" لم ننبس ببنت شفة وبعد مرور دقائق كدنا ننسى ماحدث وعدنا لضحكنا وصخبنا ثانية وضحكات باسم المجلجلة تكاد تهز أساسات البيت, لكم اشتقت فعلا لضحكته الخالية من الهموم, كان أكثرنا بساطة وتفاؤلا لا يمكن لشئ أن يعلو فوق صوت ضحكه, وفي تلك اللحظة كانت تعلو ضوضاء فوق صوت ضحكته, صوت ارتطام عنيف يتبعه ثان وثالث, طرقات قوية قادمة من خارج الغرفة, أصوات مختلطة وغير مفهومة, حبسنا أنفاسنا وتبادلنا النظرات برهة عندما سكن الصوت وفجأة دوى صوت وكأنه انفجار قنبلة لنهب مفزوعين, خرجنا إلى الصالة نتتبع مصدر الصوت لنجدها إحدى الغرف التي أغلقت الرياح الغامضة بابها, اقتربنا ببطء فسكنت الأصوات وضعت يدي على المقبض وأدرته ببطء ودفعت الباب, أصدر الباب صريرا رغم أني لم أعتد منه على ذلك الصرير المفزع, قابلتني زوج من العيون المتسعة الفسفورية, سقط قلبي في قدمي وكدت أصاب بنوبة قلبية, تحسست أصابعي الحائط بجنون بحثا عن مفتاح النور اللعين, أين ذهب؟ أخيرا أضاء النور الغرفة ورأيت ذلك الشبح صاحب العينين الفسفوريتين, كانت قطة صغيرة سوداء اللون لها عينان مرعبتان حقا لكن في تلك اللحظة كانت من أجمل ما رأت عيناي, فهذه إحدى الكائنات ((الـأرضية)) التي خلقها الله سبحانه وتعالى, تنهدنا في راحة وابتسمت وأنا أحملها بين يدي "إنها قطة" وأطلقتها على السلم, عدت إلى الغرفة ثانية, كان باسم غارقا في الضحك من الخوف الذي أاصبنا بينما بدا جليا على عماد من ضحكته الصفراء أنها لا تزيد عن كونها مجاملة لا أكثر, مضى الوقت بطيئا ثقيلا وبدا ان هذه الليلة لا تريد أن تمر, فقدنا مرحنا ورغبتنا في الكلام ولكن باسم ل يظهر عليه تأثر, بعد دقائق سمعنا نفس الضوضاء السابقة من غرفة أخرى مغلقة, هرعنا إليها نفتحها وتقابلنا عينان فسفوريتان من جديد ويقطع السكون صوت مواء بدا كأنين طفل تطحن عظامه, انتصب جلد ساعدي من ذلك الصوت وأنا أهتف باستنكار:"قطة!!!" لم يعد هذا منطقيا فالشقة في الطابق الرابع وتحيط بنا أبنية أخرى لا أدغال ولم يحدث يوما أن صار بيتنا مزارا للقطط السوداء فسفورية العيون التي تصدر ضوضاء في الغرف المظلمة, هذه المرة حلمتها باشمئزاز وألقيتها خارجا بشئ من العنف صافقا الباب خلفها بينما عيناها الكريهتان ترمقانني بتهديد ووعيد,عدت فرأيت عماد وباسم متصلبين أمام باب الحمام المغلق يرهفان السمع والإنصات, سأجن حتما الليلة, لقد صار بيتي حقا حديقة حيوانات, لا أتعجب إذا وجدت قردا يتسلق النجفة أو زرافة تطل برأسها من المطبخ, اندفعت إلى باب الحمام كالبلدوزر أفتحه برغم أني لم أسمع الضوضاء, انتظرت أن تصطدم عيني بعيون فسفورية ثانية لكن فجأة.............أصابني العمى! استغرقت برهة لأكتشف أن الكهرباء انقطعت ولست أنا من أصيب بالعمى, استدرت بعيني بحركة لا معنى لها في هذا الظلام أبحث عن عماد وباسم, أمسكت يد مرتجفة بقميصي بينما تلاقت عيناي بعينين فسفوريتين كبيرتين مشقوقتين بالطول, كانتا تنذران بشر أكيد, مستواهما أعلى من مستوى قطة, موضعهما موضع عيني إنسان, سمعت صوت عماد المرتجف المتشبث بي:"باسم............." دوى صوت عواء لا مواء من صاحب العينين الفسفوريتين الذي لا نراه ومن الواضح أنه باسم! طال العواء المنذر بالويل وبدا كتهديد وفجأة وقبل أن ندرك جاءت تلك اللحظة وكان الانقضاض...................................

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
17/12/2012


الأحد، 16 ديسمبر 2012

نجوم السما





لَا تَنْظُر إِلَى عَيْنَي 

تُوقِعُنِي بَيْنَ الشّبَاك

ولَا تَعْزِفْ عَلَى قَلْبِي 

بِشُعَاعِ نُورٍ مِنْ ضِيَاك 

فَثَغْرُكَ البَسّامُ يَا فَتَاي 

لَا يَنْسَى أَنّ الدّهْرَ أَبْكَاك 

لَا تُجَادِلْنِي بِلُغَةِ العُيُونِ 

وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْهَا فَمَا دَهَاك 

تَخُوضُ بَحْرَاً هَائِجَاً بِلَا 

سِلَاحٍ وبِمَوْجِهِ العَاتِي مَحَاك 

عُيُونِي نَجْمَةٌ فِي السّمَاءِ 

تَرَاهَا يَا صَغِيرِي وَلَا تَرَاك 

فَلَا تَحْلُمْ بِالوُصُولِ يَوْمَاً 

أَلِإِبْلِيسَ أَنْ يَظْفَرَ بِالمَلَاك؟ 

قُصّي عَلَيْه يَانُجُومَ السّمَا 

أَيَاقَمَرُ هَل سَعَى أَحَدٌ لِرِضَاك 

أَيَالَيْلَ الدّجَى النّاعِم احْكِي 

قِصّةَ عَاشِقٍ يَوْمَاً دَعَاك 

يُلْقِي بِهَمّه فِي أَحْضَانِكَ 

يَرْوِي مَعَ الدّنْيَا عِرَاك 

يُصَارِعُ دَمْعَاً جَفّ مِنْ مُقْلَتَيْن 

يَبْكِي دَهْرَاً عَلَى ثَرَاك 

أَيَا عَاشِقَاً فِي الهَوَى تَعَقّل 

فَمَا العِشْقُ قَلْبٌ يَسْقُطُ فِي هَوَاك 

العَشْقُ ثَوْبٌ ارْتَدَاه الأَصِيلُ 

لِشَمْسِ الغُرُوبِ وَلَمْ يُشْبِه رِدَاك 

((بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة


السبت، 8 ديسمبر 2012

رسالة اعتذار





فجأة!!! اشتعلت داخلها مشاعر جياشة وتزاحمت الأفكار في رأسها بقوة يدفع كل منها الاخر, يريد أن يحتل الصدارة, فهمت ماهية ذلك الشعور .. تركت كل ما في يدها وانطلقت كالصاروخ تمسك قلمها بيد وتبحث عن ورقة فارغة باليد الأخرى, تحاول اللحاق بكل تلك الأفكار التي تتدفق بشدة في رأسها, مس سن القلم المدبب مطلع الورقة بلهفة, ثم ساد الصمت.......
وكأن يدها قد شلت, الافكار ما تزال تتزاحم في رأسها ولكنها لا تستطيع الإمساك بإحداها وحتى لو أمسكت بها ,تجدها مهشمة مشوهة لا ملامح لها وتنسل منها بخفة وتختفي كغيرها من الفكرات, ظلت دقائق متجمدة بلا حراك ثم زفرت بقوة, نهضت وأغلقت الأضواء, جلست على مكتبها في الظلام وقد تناثرت الأوراق البيضاء أمامها أشعلت شموعا حولها وأرخت أعصابها, أمسكت بالقلم ثانية تحاول التركيز وعندها......
انفتح صندوق ذكرياتها ليس الصندوق نفسه فهو دائما مفتوح لكن جزءا منه مغلق بأقفال وفي هذه اللحظة تجرأت المفاتيح وانكسرت الأقفال وانفتح الصندوق على مصراعيه كباب من أبواب الهلاك, ذلك الجزء الذي تحتفظ فيه بذكريات الأنانية والنرجسية والقسوة البشرية, تلك الذكريات... لقد فطنت الآن إلا كم هي مؤلمة, كادت تجن وهي تحصي عدد الناس الذين سحقت مشاعرهم في طريقها بانتباه أو بدونه ولكن النهاية واحدة, لقد انسحقت تلك المشاعر وتعذب اولئك البشر, أخذت تتلوى في مكانها تمسك رأسها بين يديها وصورهم واحدا تلو الآخر تمر في رأسها والعيون تحمل نظرة واحدة...نظرة اتهام, بعضهم انزوى في ركن يضمد جراحه وينعش مشاعره التي سحقتها وبعضهم ماتت مشاعرهم للأبد! لم يكتف صندوق الذكريات بتعذيبها بصورهم فقط بل أخذ يجلدها بكل موقف ارتكبته في حق واحد منهم, أغلبها كان رغما عنها أو بدون انتباهها, لكن الصندوق لم يرحمها, استمر يكويها بالذكريات التي ابتلعها لسنوات, لم تكن تلك المواقف كبيرة بل بالعكس كانت صغيرة, بل غاية في الصغر, كانت كلمة, نظرة, همسة, حركة, التفاتة, أخذ الألم يرتسم على ملامحهم واحدا تلو الآخر, بعضهم استغرق في الألم والآخر محاه لتشرق ابتسامة, لكنها الآن أدركت أنه مازال يتألم في داخله, يالذلك الوحش الذي عاش داخلها, يالتلك القسوة والأنانية, إنها كائن قاس ومن شدة قسوتها تسبب بألم البعض دون علم منه أو انتباه وكأن مشاعر الناس شئ مستباح يسحق وقتما نشاء, وبلا ثمن!
انطلقت منها صرخة ألم حادة أرغمت الصندوق على الإنغلاق والأقفال على الإلتحام والمفاتيح على الإختفاء, نظرت أمامها على أضواء الشموع المتراقصة فوجدت قلبها على الأوراق الخاوية يحتضر, لهثت بإعياء وهي ترجوه أن ليس الآن, أمسكت به تضعه في التجويف الفارغ في صدرها ولكنه أبى الثبات فثبتته بيد واليد الأخرى تتحرك بسرعة على الأوراق البيضاء, تغمس أصابعها في بدمها وتكتب لكل من جرحته رسالة اعتذار, والشموع تنطفئ واحدة تلو الأخرى حتى انطفأت جميعها وساد الظلام, وأعلن الصمت بكبر أنه لا مكان للكلام.
بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



الاثنين، 3 ديسمبر 2012

مدمن أفلام رعب







برد وظلام والجو رطب رائحته عطنة, عواء مذئوبين يتناهى إلى مسامعه, يسمع حفيف عباءات مصاصي الدماء في الخارج ومن حين لآخر ترتفع صرخات المسوخ الهادرة لتهز أساسات ذلك القصر القديم, بصيص خفيض من الضوء يدخل من نافذة مرتفعة فيضئ ذلك الممر الذي يسير فيه بضوء باهت ويلقي بالظلال في كل الأركان, يراها تتراقص على الوجوه المرسومة في اللوحات فتبدو وكأنها تراقبه, يشعر بكل تلك التماثيل والدروع تتحرك, نعم انه يسمع صوتها المعدني خفيضا, بالتأكيد تتحرك, يسير في ذلك الممر الطويل وقلبة يختلج في أحضانه ليس ذعرا, بل إثارة, يعلم في عقله الباطن أن هذا حلم وسيستيقظ ليجد نفسه آمنا في فراشه, يشعره ذلك ببعض الطمأنينة فيفسح الخوف مكانا للانبهار والإثارة, برغم ذلك فقد أرهف حواسه وتحفزت عضلاته وهو يسمع صدى خطواته في أرجاء القصر الخالي, يجد بابا فيفتحه بصرير يجمد الدماء في العروق, الغرفة غارقة في الظلام وفجأة تفتح آلاف العيون اللامعة الصغيرة وتتساقط تلك الكائنات من السقف والجدران زاحفة فوق حذائه, يرفسها برجله ويركض بقوة, ينظر خلفه كل فترة وفترة في محاولة يائسة للرؤيا, ماهذا؟ إنه يسمع صوت خطوات أخرى غير خطواته, لهاثا أخر لأحد غيره, وفجأة........ طراااااااااااااخ, ارتمى أرضا بقوة, أمسك رأسه بين يديه وأخذ يتلوى من الألم, رفع رأسه ليرى ماصدمه, وجد بابا أصغر وأحقر من كل أبواب القصر بلا مقابض أو أقفال أو حتى مفتاح, تساءل في حيرة عن كيفية وصول هذا الباب لهذا المكان, هو متأكد أن الممر كان مفتوحا, لقد رآه منذ ثوان قبل أن يلتفت خلفه ويصطدم, كيف أتى هذا الباب إلى هنا؟ أخذ يتحسس الباب في الظلام فارتطمت أصابعه بنقوش تشبه الحروف قرأها "كونت الرعب الأعظم" شعر باللهفة والفضول, أخذ يدفع الباب بقوة لعله يفتح فلم يستطع, مر بأصابعه على الحروف ثانية ليتأكد من أنه لم ينس قراءة شئ ولكنه تجمد, لقد تغيرت الكلمات, انمحت الكلمات القديمة وظهرت أخرى تبدو مغبرة عتيقة كسابقتها رغم أنها لم تكن هنا منذ ثوان, تحسسها وهويرتجف فوجد "لا تحاول ياجبان" غضب وركل الباب بقوة فهو ليس بالجبان ثم تحسس الكلمات ثانية" البلاهة مفتاح الباب والشجاعة للبلاهة مفتاح" أخذ يفكر في معنى الكلمات ثم بلا وعي دفع الباب فانفتح بسهولة وكأنه لم يكن مغلقا من البداية, دخل الغرفة فوجدها مضيئة تبدو نظيفة بخلاف القصر كله, سمع صوت الباب يغلق خلفه, التفت فلم يجد الباب, لقد تحول لجدار, شعر بالذعر وعاد ينظر إلى الحجرة ثانية فلم يجدها لقد اختفت الحجرة كما اختفى الباب, سبح في الفراغ والظلام وصرخات تتناهى إلى اسماعه وضحكات وهمسات وزئير وعواء ونباح وصرير أبواب...................


انتفض بقوة وفتح عينيه فوجد أنهما مايزالان مستلقيين على العشب متعانقي الأيدي في العراء, رفع رأسه إلى السماء فرأى الليل بعباءته المخملية تزينه حبات من اللؤلؤ والألماس وبحث عن القمر فرآه يظهم من خلف سحابتين داكنتين وقد احمر لونه في حنق وغضب, حار لذلك المشهد ولكنه أفاق على اليد الباردة المرتجفة في أحضان يده الدافئة, نظر إليها في حيرة فرآها....جميلة كالحلم....رقيقة كالفراشة.....رشيقة كالغزالة.....كانت مستلقية بجواره على العشب الندي يرتجف جسدها بطريقة ملحوظة وقد امتلأت عيناها بالدموع وانفرجت شفتاها الجميلتان عن صرخة صامتة لم تتجاوز حلقها, حاولت سحب يدها من يده فتشبث بها حائرا, دوى صوت الليل كهزيم الرعد في أذنيه يأمره بتركها, ارتجف للفكرة وفزع وتشبث بها أكثر حتى كادت يدها المرمرية الهشة تتكسر بين أصابعه القوية التي تضغط عليها لاإراديا, وسألها في خفوت ان كانت رأت ذلك الحلم مثله...لم تجب ولكن عينيها أجابتا بالإيجاب, همس يسألها الغفران:"لم أكن أعلم"


سالت دموعها وجذبت يدها في محاولة يائسة, أمره الليل بهزيم أقوى أن يتركها وإلا سينال مالا تحمد عقباه,فكر لحظات في التحدي والصراع من أجل حبيبته ولكنه عدل عن ذلك فمن سيتحدى؟ أيتحدى الطبيعة بكل قوتها؟! انسابت العبرات من مقلتيه في قهر وألم يرجوها فأشاحت بوجهها عنه وسحبت يدها فتركها, هرولت بخطاها الرشيقة الصغيرة وعادت لمكانها, نجمة إلى جانب القمر وتركته وحيدا ثانية كما كان, كما كان عندما كان يجلس وحيدا حالما في العراء يراقب القمر يغازل النجوم في افتتان فيحسده على كثرة حبيباته وهو مسكين ووحيد وفي يوم من الأيام بلغت منه الوحدة مبلغها وبكى قلبه في عجز وألم, ودفن وجهه بين يديه وتمنى لو تمتد يد حانية إليه تمسح الألم وتمنحه الحنان, رق لحاله القمر وأرسل إليه من فتياته أكثرهن جمالا ورقة وعذوبة ووعدته بالمشاركة في كل شئ وأنهما سيكونان دوما شريكان ولكنه لم يعلم....لم يعلم أنها ستكون شريكته حتى في الأحلام, لقد أدمن الرعب وحفظه من الأفلام, فصار حلما جميلا يزوره في المنام, ولكنها رقيقة فكيف لها الإحتمال, زاره الرعب في الحلم وكانت هي هناك, تشاركه الأحلام, لقد جرحها وآلمها وأخافها وأفزعها فياله من شيطان, هاهي ذهبت وعاد وحيدا ذلك الذي أدمن للرعب أفلام.

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))


الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

الآخر



أخذت أروح وآتي في غرفتي كليث حبيس, أركل كل مايعترض قدمي وألهث, مررت من أمام ذلك السطح الناعم الزجاجي فرأيته بطرف عيني يقلدني, يروح ويأتي يروح ويأتي يروح ويأتي, كاد يصيبني بالجنون, توقفت أمامه ونظرت إليه قابلتني عينان محمرتان وشعر مشعث, هالات سوداء مرعبة أسفل هاتين العينين, كان يلهث في غضب وغيظ مثلي, وكلما أتيت بحركة يفعلها معي, أفتح فمي لأتحدث فيفتح فمه, أغلقه فيغلقه...كدت أجن, اقتربت منه وعيناي تتطاير منهما الشرر ففعل مثلي حتى التصق أنفي بأنفه, لم أشعر بأنفاسه اللاهثة بل كلما زفرت ظهرت سحابة بخار ماء على ذلك السطح الرقيق الذي يفصل عالمي عن عالمه, نظرت إليه بتحدي فبادلني التحديق بتحدي, أمسكت أول ماوصلت إليه يدي وهويت عليه أحطمه..أحطمه..أحطمه..أحــــــــــطـــــــــمـــــه, اختفى ولكني أعلم أنه مايزال موجودا هناك, فقط أنا حطمت النافذة التي أراه منها..فقط..أكرهه..بشدة..أكره شكله..هيئته..شخصيته..إنه كاذب..مكار..خائن..أناني..كريه بما تحمل الكلمة من معنى,أخذت ألهث وأنا أرى بعض قطرات الدم تسيل من جرح في يدي, نظرت إلى الساعة..لقد اقترب الموعد..ارتديت ثيابي على عجل بلا اكتراث..بل تعمدت أن يكون شكلي مبهرجا فهو أحقر من أن أعدّل من شكلي لأجل لقائه!!! نزلت إلى الشارع أسير كقطار لايتوقف والناس تبتعد عن طريقي وهي تنظر إلي في رعب, دخلت أحد المحال لبيع المرايا وما ان وقفت في وسط المحل حتى رأيته يطل علي من كل جانب واتجاه..كدت أحطمه ثانية ولكني استجمعت كل مابقي لدي من إرادة لمنع نفسي.....نفسي؟! أكرهها أكرهه فهو وهي وانا واحد! أكرههم جميعا, وجدت واحدة بطولي تظهره كاملا.....ذلك المقيت,أخذتها وحملتها من ظهرها حتى لا أراه, ألقيت للبائع ثمنها وجررتها جرا خارج المحل.....سمعت البائع يهرول خلفي ويناديني...ماذا يريد ذلك الأحمق؟ فليذهب إلى الجحيم...أكملت طريقي حتى مقهى...كان هو مكان اللقاء, دخلت فحدقت بي الأعين بدهشة فلم أعبأ بهم.....فليذهبوا جميعا إلى الجحيم, فاليوم سينتهي كل شئ....سيتركني وحدي,لقد اتفقنا على هذا الموعد لأرى مايريده فأعطيه له ثم يذهب ويتركني لحالي, ابتسمت بشراسة للفكرة....نعم ,نعم سأصبح حرا بدونه, ثبت المرآة على أحد الكراسي الشاغرة وجلست على الكرسي المقابل له ,تبادلنا النظرات للحظات.....دقائق.....وهو صامت مثلي,فتحت فمي ففتحه,أغلقته فأغلقه, تصاعدت الدماء إلى رأسي وقررت أني سأتحدث ولن أسمعه, أخذت أتحدث وهو يتحدث معي, لم أسمعه ولا أدري إن كان سمعني, الناس تحدق بي برعب...هل يرونني مجنونا؟ نعم أنا مجنون,هو السبب...سأعود لعقلي عندما يذهب, اقترب مني أحد العاملين بالمقهى وبتردد حدثني وأنا لا أسمعه,بل احمرت عيناي بلون الدم من ذلك الذي أمامي,ليصمت قليلا ويسمعني...لايهم...سأتم الصفقة رغما عنه, وسيتركني شاء أم أبى, تعالى صياحي وهو كذلك...لم أسمعه لأن صوتي كان يملأ أذني لكنه بدا ثائرا مثلي...غبي, شعرت بذراعين قويتين تجرانني جرا خارج المقهى, وانا أقاوم وأقاوم ولكن بلا فائدة,بعد ثوان كنت في الخارج بالعراء واغلق باب المقهى أمامي, أصمت للحظات ثم أدركت ماحدث.....لقد تخلصت منه...للأبد.....ذهب.....نعم,لقد تخلصت منه.....لقد صرت حرا...أخذت أرددها بأعلى صوتي وأنا أسير مترنحا في الشوارع من حلاوة النصر, عدت إلى شقتي,دخلتها وأنا أشعر براحة كبيرة,لقد تخلصت منه,خلعت معطفي وذهبت أعلقه,مررت من أمام ذلك السطح المستوي المقيت...فلمحت بطرف عيني خيال من يتحرك هناك!!! عدت أدراجي ووقفت أمامه فوجدته...هناك...مايزال...جحظت عيناي وتوقفت عن التنفس...شعرت بالألم يمزق صدري والخدر يسري في أنحاء جسمي...ثم أظلمت عيناي...وأخيرا...تخلصت منه...للأبد!

بقلم:غفران حبيب(( دوشة كبيرة))

الاثنين، 26 نوفمبر 2012

الفصول الأربعة


على نفس هذا المقعد
تجلس 4 مرات كل عام
في نفس التاريخ
منذ دهور سحيقة
وبرغم ذلك
تراها ماتزال في الخامسة من عمرها
ما الذي حدث؟ ولماذا هي؟
لا تعرف ولا أحد يعرف
فقط تذكر أنها في مرة كانت في نزهة قصيرة مع والديها
وكان الجو غريبا مريبا
مزيج من الفصول الأربعة
الصيف الشتاء الربيع الخريف
وضاعت في هذه الغابة
رغم الرياح الجافة
الشمس الدافئة برهة والحارة برهة أخرى
كانت هذه البقعة مثلجة !!!
غابة صغيرة تحفها أشجار عملاقة خضراء وتغطي الأرض طبقة جميلة من الثلج الأبيض
لم يرها أحد سواها .......
ام ماذا؟
دخلت ولم تخرج منذ ذلك اليوم
اليوم هو الـ 23 من شهر ديسمبر
لم يكن معها نتيجة مثلا تعرف بها التاريخ
لكنها تعرف
فقط تعرف
اليوم موعدها مع جنيات الثلج
في مكان ما من العالم لا تعرفه هي دقت ساعة لندن تعلن عن منتصف الليل
هي لم تكن في لندن ولم تذهب اليها قط
لكنها عرفت أنها دقت
رفعت عينيها المتسعتين إلى السماء 
فراشات زرقاء جميلة
انها  في الحقيقة جنيات صغيرات يدرن بسرعة فيحدثن ألوانا جميلة ومن بينهن تظهر طفلة بيضاء 
عيناها ناعستان وشعرها الأبيض ينساب حتى قدميها
مع كل حرف تنطقه وكل هواء تزفره تخرج أنسام باردة من بين شفتيها الدقيقتين ومعها جسيمات الثلج السداسية الجميلة
تبسمت لها بمودة واقتربت منها تربت على يدها الصغيرة
هي ليست جنية صيف ولا شتاء
ولا ربيع ولا خريف
لكن حدث شئ ما جعلها هنا للأبد
تنتظر فتاة الشتاء الناعسة الرقيقة
وفتى الصيف الشقي المشاغب
فتاة الربيع الجميلة النشيطة
وفتى الخريف الحساس عميق النظرات
اعتادوا على وجودها وزيارتها كل عام
تمسك ايديهم الصغيرة بيدها الدقيقة ويلفون العالم يغلفونه مع الجنيات الصغيرات بذلك الفصل
في تلك الليلة أخذوا يدورون بحبات الثلج الجميلة يبعثونها هنا وهناك ويداعبون بها الحيوانات ويرشونها بلطف على أوراق الشجر
تركوها تتساقط برقة من بين السحاب تداعب وجوه الأطفال الأبرياء
وتثير ضحكاتهم وبسماتهم
عادوا ثانية لتلك الغابة حيث هي منذ دهور
ودعتها فتاة الثلج وطبعت قبلة باردة على خدها
ثم ذهبت مع جنياتها زرقاء اللون الجميلات
وجلست تنتظر فتاة الربيع مع جنياتها الملونات بصبر
لتنفض عن الدنيا تلك الثلوج البيضاء
وتكسوه بالألوان


بقلم :غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
19/7/2012

الأحد، 25 نوفمبر 2012

الجبل


كان "ميجوري" يسير بسيارته بسرعة عادية, اليابان مليئة بالجبال وقد زحف العمران وولدت الحضارة في قلب هذه الصخور كزهرة يانعة, لم تشكل الجبال عائقا فغمرها العمران والطرق الممهدة الحديثة وهي آمنة تماما واعتادها اليابانيون حتى صارت جزءا لا يتجزأ من حياتهم, لكن الجهتين اللتين يصل بينهما جبل "........" الموجود في أقصى حدود البلد الشمالية أنشئ بينهما طريق  آخر عبر نفق داخل الجبل فلم يعد هناك داع لصعود الجبل الذي صار شبه مهجور بعد أن كف الناس عن السير فيه, واختصروا الطريق من الطريق المنشئ حديثا لكن "ميجوري" كان يشعر بالفراغ يكاد الملل والروتين يقتلانه, لقد كف عن سلوك طريق الجبل منذ زمن ولكنه شعر بشوق مفاجئ له, فكر في أنه اشتاق لذلك الطريق وانه سيتمكن من كسر روتينه اليومي إذا ماعبره اليوم في طريقه من عمله إلى البيت, أدار المقود وانحرف عن الطريق المعتاد صاعدا الجبل على الطريق القديم الذي مايزال برغم كل شئ ممهدا, نظر حوله فرأى سيارته الوحيدة, شعر براحة لتلك الوحدة التي تمناها بشدة واسترخى في مقعده وهو يقود في سرعة ماتزال عادية, مر الوقت حتى وصل إلى منحنى حاد يتوارى فيه بقية الطريق خلف الجبل, لسبب ما جرفه الحنين للأيام الخوالي عندما كان يسير بسرعة عالية في تلك المنحنيات, لم يعط نفسه فرصة للتفكير, ضغط على دواسة الوقود وارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يتشبث بالمقود واثقا من نفسه ينتظر اللحظة الناسبة للانسياب مع المنحنى ولم تخنه قدرته فانساب فعلا معه وظهر له الجزء الآخر من الطريق عندها ارتسمت علامات الفزع على وجهه عندما رأى تلك الحافلة المتوقفة في منتصف الطريق وركابها المتناثرين حولها,لم يعلم ما يفعل أدار المقود بقوة فارتفع زئير العجلات وكادت قدمه تخترق أرضية السيارة بالفرامل وانحرفت السيارة بقوة مصطدمة بالجبل ثم انقلبت على جنبها واشتعلت فيها النيران وبداخلها كان هنالك جسد جريح يحاول التخلص من حزام الامان ولكن صوت الانفجار قضى على أي أمل في النجاة........وتصاعدت رائحة اللحم المشوي.......

~~~~~

جلس "جاكي" على مقعد القيادة في تلك الحافلة والذي يجلس عليه منذ 35 عاما, تجاعيد وجهه تروي عراكه مع الحياة وبريق عينيه المنطفئ يدل على أنه لم يفز في ذلك العراك,كان شابا صغيرا امتلأ حيوية ونشاطا...ظن أن تلك هي البداية ولكنه مايزال على نفس المقعد في نفس الحافلة منذ ذلك الوقت, يقود في بطء مدروس متعمد ويستمع إلى شهقات السياح المألوفة وعباراتهم المادحة المستحسنة بكل اللغات, طوال الوقت يستمع إلى كليك...كليك الذي يصدر عن كاميرات أولئك القوم المتحمسين لكنه لا يعيرهم اهتمامافلم يعد هناك شئ يهمه, فقط يتمنى أن تنتهي هذه الجوة سريعا وينتهي اليوم بل ياليت الحياة تنتهي أيضا بسرعة, تمنى تلك الأمنية ونسيها كمن ألقى قطعة معدنية في البحر  ولم يخطر بباله أنه سيجدها في بطن السمكة التي يصطادها في نفس ذات الحين, تململ متضايقا وهو يعترض بصمت على تغيير مسار الرحلة, إنه منذ وقت طويل يسير في نفس المسار لا يتغير سوى الراكبون معه, ولكن نزولا لطلب سياح هذه الجولة تم تغيير المسار بحيث سيصعد جبل"......" ويعبر الطريق التي لم يعبرها منذ زمن, تثاءب وهو يقود الحافلة صاعدا الجبل حيث تبدو معالم المدينة صغيرة بقطاراتها وسياراتها وأبنيتها وحتى ناطحات سحابها وتبدو الشمس الآفلة للغروب قريبة منك حتى تعتقد أنك ستلمسها إذا مامددت يدك قليلا بعد, تزايد صوت الكليك...كليك في جنون ثم هدأ وهدأ كل شئ والجميع يتأمل مشهد الغروب في افتتان, لم يرد قطع تأملاتهم ولكن أمامه منحنى حاد بحيث يختفي الطريق خلف الجبل, أبطأ السرعة قليلا وهو يمر لضيق المنحنى وما إن بدأت الحافلة بالعبور حتى زاد السرعة قليلا قبل ان تنحرف الحافلة لكنه فوجئ بحافلة أخرى واقفة في منتصف الطريق وقد تناثر ركابها حولها, لم يشعر بنفسه وهو يضغط على دواسة البنزين من هول المفاجئة وحاول تدارك الأمر وإدارة المقود ولكن للأسف في الجانب الخطأ ولو يجد وقتا لتعديل خطأه فقد اتجهت الحافلة بكل ثقلها إلى الحافة مخترقة الحواجز الموضوعة ثم إلى قلب الوادي وهدأت الصرخات الفزعة وساد الصمت ولم يعد هنالك سوى صوت الوادي الذي يرشف تلك الدماء الطازجة في عطش.............

~~~~~

كليك...كليك...كليك, نظر المحقق "ياماموتو" إلى رجاله في ملل وهو يتساءل في نفسه:- ((ما الذي يفعله هؤلاء الحمقى؟ ماذا وجدنا عندما كان لدينا جثة وأدلة؟ أسنجد شيئا بآثار فرامل فقط؟)) واسترجع الساعة الماضية عندما كان جالسا في مكتبه ورن جرس الهاتف, كانت إحدى شركات السياحة تقول بأن إحدى حافلاتها خرجت ولم تعد لا الحافلة ولا السياح وقد انقطع الاتصال بهم, طلب من الشركة خط سير الحافلة وبدأوا عمليات البحث, نظر "ياماموتو" إلى المخطط فعلم من أين سيبدأ هو, لم يكن لديه شك أن هذا هو ماحدث, جمع رجاله وصعدوا الجبل وعند ذلك المنحنى أوقفوا سياراتهم ونزلوا منها, كان المكان هادئا خاليا لا أثر لأي حوادث أو حافلات مقلوبة أو أي شئ, أدار عينيه في المكان فرأى الحاجز المحطم.....((سيدي)) نظر "ياماموتو" إلى أحد رجاله الذي كان راكعا على الأرض يتفحصها, كانت هناك آثار عجلات كبيرة حفرت في الأرض, آثار حديثة, آثار فرامل عجزت عن فعل شئ سوى رسم هذه الخطوط الحادة في الأرض تتبعها بنظره فرآها عند بداية الطريق قبل المنحنى  تسير في خط مستقيم وتنحني مع المنحنى ثم تنحرف فجأة وكأن......وكأن سائقها رأى شيئا أفزعه أو كاد يصطدم بشئ ثم تتجه إلى الوادي, احمر وجهه غضبا وأمسك بأقرب رجل إليه يجذبه من قميصه صائحا:- ((هذه ثالث حادثة هذا الشهر, الثالثة وماذا فعلتم؟ لاشئ, أخبروني ماهو عملكم إذا لم تكونوا قادرين على حل مثل هذه القضايا؟ وماذا سيحدث؟ ستمارسون أعمالكم التقليدية ثم يغلق الملف ثم لاشئ...أريد حلا أعطوني إجابة لما يحدث, هل يصاب الجميع بالجنون عندما يصلون إلى هنا؟ كيف تحدث هذه الحوادث؟أجيبوني....))
أصيب الرجل بالدوار وكاد يفقد الوعي من شدة هز المحقق له فقد كان يهزه بقوة من قميصه وكأنه دمية صغيرة عاجزة عن النطق وليس بيده سوى الخضوع, تدخل الباقون يهدئون "ياماموتو"  ويقومون بنفس العمل لثالث مرة هذا الشهر وكل واحد منهم يعلم في قرارة نفسه أن النتيجة هي لاشئ فعلا وليس باليد حيلة...إن السائقين حقا يصابون بالجنون عند هذا المنعطف وينحرون جميعا بسياراتهم بلا سبب يذكر, جلس "ياماموتو" يراقب رجاله في شرود وعقله يعمل بسرعة, يجب أن يجد حلا, يجب, سمع أحد رجاله يقول:- ((حدثت الحادثة وقت الغروب ياسيدي)) تمتم بآلية:- ((مرة في الفجر ومرتان في الغروب)) أقامت الشرطة حواجزها في المكان لمنع الناس من الاقتراب هذا اذا كان هنالك أحد يقترب من هذا المكان فعلا ولكنها الاجراءات وعاد الجميع إلى قسم الشرطة مع أمل في استكمال التحقيقات ويأس من النتائج, لكن "ياماموتو" لم يكن على استعداد لانتظار النتائج هذه المرة, سيتصرف هو بنفسه, عاد إلى بيته بعد يوم مرهق ولم يغمض له جفن, أخرج كاميرا تصوير فيديو كانت لديه وبدأ يجربها ويختبرها وعندما تأكد من أنها صالحة وضع فيها شريطا جديدا وخرج إلى سيارته حيث ثبتها على سقف السيارة من الخارج وربطها جيدا ثم أوصل الحبل إلى داخل السيارة وثبته أسفل الفرامل بحيث ينقطع الحبل وتتدحرج الكاميرا بعيدا عن السيارة إذا ضغط أحدهم بقوة على الفرامل, عاد إلى البيت وحضر كوبا من القهوة جلس يرشفه أمام النافذة ينتظر الخيط الأول من الضياء يشق السماء السرمدية السوداء وعندما ظهر, ارتدى ثيابه وركب سيارته وسار بها حتى وصل إلى بداية طريق الجبل, أوقفها ونزل منها وشغل الكاميرا وتأكد من أنها تصور الطريق جيدا وعاد إلى سيارته صاعدا الجبل, حرص على ألا يسير بسرعة عالية فالفجر مايزال وليدا والظلام برغم كل شئ يبدو أنه مايزال مسيطرا, وصل إلى المنحنى فابتلع ريقه وشعر بأنه سيعرف.....حتما سيعرف كان باقي الطريق يختفي خلف الجبل , زاد من سرعته قليلا لا إراديا وهو يعبر المنحنى عندما فوجئ بحافلة واقفة في منتصف الطريق وقد تناثر حولها ركابها لكن المفزع أنهم لم يبد عليهم أنهم لاحظوه من أساسه بل الأكثر رعبا أنهم كانوا يشعون ضوءا باهتا, لقد كانوا مضيئين رآهم بوضوح في ضوء الفجر الخافت, ضغط على الفرامل بقوة فازدادت سرعة السيارة...ياإلهي هذه ليست الفرامل, وضغط على الفرامل ولكن الأوان كان قد فات, انقطع الحبل وتدحرجت الكاميرا على الطريق في الوقت الذي تدحرجت فيه السيارة في اعماق الوادي الذي غنم ضحية جديدة..........
~~~~~


عندما جاء الصباح, جاء رجال الشرطة إلى الموقع ليجدوا آلة تصوير ملقاة على الأرض ومربوطة بحبل مقطوع وقد ألصقت عليها ورقة:-

{ أنا المحقق "ياماموتو" إذا وجدتم هذه الورقة ولم تجدوني فقد ضحيت بحياتي من أجل كشف سر الحقيقة.....ستجدون في الشريط داخل الكاميرا سر ماحدث في الحوادث الماضية وسنجد حلا لهذه القضية...} 

نظروا بلهفة إلى آلة التصوير وأخرجوا شريطها مسرعين بها إلى قسم الشرطة وهناك جلس الجميع يشاهد الشريط في لهفة...طريق الجبل العادي والدقائق تمر ثم يظهر المنحنى...يحبس الجميع أنفاسهم وهم يرون الصورة تستدير مع المنعطف, ويظهر الجزء المختفي من الطريق خلف الجبل...طريق ممتد برئ لا شئ فيه, فجأة تهتز الصورة وتضطرب وتنحرف بقوة ثم تتقلب المشاهد أمامهم دلاله على تدحرج الكاميرا وعندما تستقر لايظهر سوى الطريق الخالي للجبل, ينظرون إلى بعضهم البعض وبعد أيام أغلقت القضية كالمعتاد ولكن الوادي سيظل ظمآنا ويجتذب كل فترة ضحية جديدة........



بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



الخميس، 22 نوفمبر 2012

~ ~ My Angel ~ ~



جلست عند جذع شجرة عجوز ... أنتظره في لهفة وأنا أعلم في داخلي أنه لن يأتي ... لأنه ليس هناك موعد بيننا ... رفعت رأسي إلى السماء فأطل علي وجهه الوسيم مضيئا بلون فضي ناعم بين النجوم , شعرت بالغيرة من تلك النجمات, فماذا أساوي أنا بجانب تلك الآلئ الحلوة؟ قطبت جبيني وقلبي الصغير ينقبض ألما, نظرت إليه أستعطفه فابتسم لي في حنان, وامتدت أشعته الباردة الجميلة تحتوي جسدي الصغير........
نظرت للبحر الكبير ... ذلك القوي الجبار ... هائج تتصارع فيه الأمواج حتى تصل بنعومة إلى الشاطئ وتنسحب عنه في حياء, رأيت فيه القوة والغموض الساحران, كبير يمتد إلى الأفق ... قوي يفهر كل مغرور وجبار ... وعلى ضوء القمر ظهرت حورية تسبح على سطحه في دلال وتتقلب في أحضانه بسعادة, لسعت الدموع مقلتي غيرة عليه من جمال الحوريات, فتلك شقراء وأخرى كالحليب بيضاء فماذا أكون أنا بجوارهن تلك الجميلات؟ شعرت به يداعب بنعومة قدماي ثم ينسحب بحياء عائدا من حيث أتى, أفرح ثم تدمع عيناي لكي يعود إلي ... فلا يخذلني ويداعب قدماي ثانية كأنه يقول لا تهمني العيون الزرقاء ولا تلك الشقراء ... أريدك أنتي ... أيتها الصهباء ... ذاب قلبي الصغير من حرارة ما بداخله من نيران, لم يرد تركي أحترق .......
نزلت حبات ثلج صغيرة علي من السماء ... ذابت على شعري ... انسابت على خدي ... استقرت في أعماق قلبي الولهان ... بيضاء ... ناعمة ... جميلة ... رأيته فيها ... لقد علمها الرقة وأعطاها الجمال ... فتحت يدي فسقطت حبة ثلج صغيرة رائعة الجمال ... تأملتها في افتتان, شعرت بأني أحمل جزءا منه بين يدي الاثنتان ... ضممتها إلى قلبي ... نظرت إليه ... اختفت ... كما يختفي هو دائما من بين يدي ... لم أحاول ضم إحداها ثانية ... اكتفيت بإغماض عيني وتركه يداعب وجنتي بحنان ... كسى الأرض ببياضه الفتان ... أخذت أقلب عيني هنا وهناك ... أراه في كل مكان ... ومن بين الثلوج البيضاء ... انشق الثلج ... 
وخرجت وردة صغيرة حمراء ... مالت نحوي تبتسم إلي ... حينها ... عرفت أنها تعلمت منه الابتسام ... تحسستها أناملي برقة فمالت نحوي تلتمس الدفء ... أخذته أضمه في أحضاني يستمد مني الدفء وأستمد منه الأمل ... 
شقشق الفجر وجاء عصفور يغرد في سرور ... نظرت إليه وأنا أعلم أنه هو من علمه الغناء ... التفت حوله الإناث ترتوي من غزله الجميل ... لكنه أبى الهدوء والسكون ... أبى توجيه غزله لإحدى أولئك الحسان ... هو أمير الغزل أنعم على العصفور ... فأعطاه القدرة على الغزل الحلو ... أخذت العصفورات تتقربن إليه مسحورات ... نظرت إليه ... تركهن وحط على يدي ... يبعث إلي بغزل في أعذب الألحان ... طبعت على رأسه قبلة ... أرسلتها لمن سكن قلبي وعلم العصفور الكلام ... أراه في كل شئ ... فهو الكل ... والأشياء منه أجزاء ... أتمنى لو أحتضن الدنيا كلها ... لعلي أطفئ نار قلبي بمعانقة أجزاءه الموجودة حولي في كل مكان ... سأجلس كل يوم وحدي ... أراقبه في شوق وتملؤني الأحلام ... سآتي في الموعد لكنه لن يأتي ... لأنه ليس بيننا موعد ... فهو لايعرف بوجودي ... ملاكي ... مالك الروح والجنان

بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

 6/5/2012


الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

خاين!







أبرقي يا سمـــــــاء..زمجري يارعـــــــود


زلزلي ياجبـــــــال وانفضي عنكي الجمود


اعصــــــفـي بالطغاة إخوان اليهـــــــــــود


إلفظي يابــــــراكين ما بك من خمــــــــود


إكويهم بنــــارك وامحي مابهم من بــرود


سفكوا الدمــــــاء ومزقوا العهـــــــــــــود


نسوا أن العـــالـــم على جرمهم شهـــــود


لكن أيـــــن الأبطال؟ ضاع منا الأســــــود


تخـــــاذلوا عن النداء وأغمضوا الجفــون


اعتزلوا الجهاد وأخذوا يعدون الكفـــــون


على شهيد تبكي وتدمى المآقي والجفــون


ذبـــحـــه أسد وأخوه ذلك الصهيـــــــــون


سياسة تحول مابين الأسير والحريـــــــة


عرب اجتمعوا من أجل الدبلوماسيــــــــة


وافترقوا على أن تكون مناصرتهم سلمية


يناشدون الأســــــد بكلمات وهميــــــــــة


أما أيقظتهم صرخة شبل في حــــــلــــب؟


ألا يذكرون أن الحــــــــــق يوما قد غلب؟


وبواسل سوريا صاغوا دروعهم من ذهب


انهضوا أيها النيـــــام وهبوا أيها العــرب


ننفض عنا الغبار فالحق دوما منــتــصـــر


والليل مهما طــــــال بعده حتما فــــجــــــر




صرخة شبل سوري




بقلم: غفران حبيب((دوشة كبيرة))



الأحد، 18 نوفمبر 2012

أطفال في السماء


فتح عينيه ببطء وكسل, شعر بفراشه الوثير يلامس جسده الصغير في نعومة, للحظة تخيل أن ماحدث كان حلما وسيجد والدته الآن تحتويه بين ذراعيها, لكنه لم يجدها, وقف ليجد أنه كان يتوسد الأرض وينام عليها, لكن أي ارض هي بتلك النعومة والجمال؟! كانت بياضا امتد من تحت قدميه الصغيرتين إلى نهاية الأفق, كاد يبكي هاتفا باسم والدته لعلها تأتي إليه, نظر خلفه فوجد إخوته واقفين تدمع أعينهم وتختنق عبراتهم, رنت كلمات والدته في أذنيه:"أدهم...انتبه لإخوتك جيدا,أنت صرت رجلا مسئولا الآن" وتنتفخ أوداج صدره الصغير فخرا بمدحها, كبت حزنه ودمعه وتظاهر بجلد طفولي جميل يحاول بث الشجاعة في قلوبهم, هتفت نور الصغيرة "أين نحن؟" عجز عن الإجابة فأكملت حنين :"أريد العودة إلي البيت" فعجز أيضا عن الرد, تعلق محمد الصغير به وعيناه دامعتان تتحدثان بلا حروف, كان أصغرهم وأكثرهم تعلقا بوالديه فلم يجد ردا سوى أن يربت على ظهره بيده الصغيرة بلا حيلة, من بعيد ظهر أشخاص آتون اتجاههم أشارت إليهم حنين:"انظروا" تجهم أدهم :"أمي طلبت منا ألا نتحدث إلى الغرباء" وكأنه ذكرهم فانفجرت نور باكية :"ولكن أين أمي؟" اقترب الأشخاص فرأوا تباين ملامحهم, أحدهم شيخ عجوز تبدو الطيبة في عينيه وشاب في مقتبل العمر والآخر بدا كوردة لم تجد الوقت لتتفتح قبل أن يختطف الموت عبيرها, نظروا بدهشة إلى الأطفال الأربعة ورأوا تلك البراءة الجميلة في أعينهم التي ضن بها الموت  على قذارة العالم فانتشلهم منه, كبراعم صغيرة في فصل الربيع تنتظر إزهارها, رأوا التشابه بينهم فتقلصت قلوبهم ألما على والديهم, اقترب الشيخ منهم يواسيهم ويحاول تخفيف خوفهم فاطمئنوا له, سألهم:"ماذا حدث لكم؟" صمتوا بلا إجابة ثم نطق أدهم:" في الصباح لم ترد أمي أن نذهب إلى المدرسة بلا سبب لكنها كانت قلقة, كانت في قمة توترها وعصبيتها تتحرك بلا هدى بين غرفات المنزل, تنظر إلينا وكأنها لن ترانا ثانية! أخذت تعد لنا اشيائنا ولا تكف عن نصحي بالحذر والاعتناء بإخوتي, احتضنتنا مرارا وتكرارا قبل الذهاب حتى أننا مللنا......صعدنا إلى الحافلة وجلسنا مع اصدقائنا, هناك قطار نراه دوما في الطريق لكنه اليوم لم يأتِ, وكدنا نذهب وفي منتصف الطريق ظهر القطار مسرعا............" ثم صمت في حيرة وكأنه لا يذكر ماتبقى أو ماحدث وبدت الحيرة في عيون إخوته أيضا يحاولون التذكر لكن نهر الذكريات توقف عند هذا الحد! أما الشيخ والشابان فقد كسى وجوههم الألم, اقتربت نور من الشاب الجالس بجوارها وقد اطمأنت إليه :"أريد العودة إلى أمي" رفع عينيه إلى عينيها المتسعتين براءة وفضولا ولم يجد مايقول فخفض رأسه هامسا :"وأنا أيضا أريد العودة إلى أمي" رفعت رأسه بيدها الصغيرة وعيناها ماتزالان تفيضان فضولا:"وأين هي؟ لماذا لا تذهب إليها؟!" رد بحزن:"ذهبت إلى المباراة مع اصدقائي اشجع فريقي عندما انقلبت المباراة إلى........" منعته يد الشاب الآخر في حزم من الاسترسال ونظر إلى نور التي تحترق فضولا:" أنا أيضا أريد العودة إلى أمي..........لكننا لن نستطيع" بكى محمد فاستدرك الشيخ:" هم سيأتون إلينا لا تقلقوا" بعث قوله بعض الطمأنينة فيهم ولكنهم نظروا إليه بشك وقالت حنين:"متى؟" نظر الثلاثة على بعضهم ونهض الشيخ قائلا:" في القوت المناسب سيأتون معنا هنا وسنظل سويا إلى الأبد" نهض الصغار معهم وقد شعروا من هذه اللحظة أنهم أصبحوا عائلتهم حتى.......حتى يأتي ذلك الوقت المناسب.


بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
18/11/2012


الجمعة، 16 نوفمبر 2012

قصة كفاح "مقال"


عندما يمسك الرسام بريشته فاعلم أنه سيرسم جزءا من عالم يراه ولا نراه, ذاك العالم الجميل الملقب بعالم الخيال, عندما يجلس العازف هائما إلى البيانو يداعب أزراره مغمض العينين عندها اعلم أنه عرض عليك تذكرة ذهاب وعودة إلى العالم الذي يسكن بداخله, وكذلك الكاتب إذا أمسك بقلمه فهو ينسج لك من بضعة حروف قطعة من كونه يقدمها لك عن طيب خاطر, كلهم غاصوا في عوالمهم وعادوا إلينا برسم أو معزوفة أو قصة تنتشلنا من الواقع, البعض استمد وحيا من الواقع ومزجه بالخيال وإلا لما أقبلنا على مايصنعون, أيهرب المرء منا من واقع إلى واقع آخر يماثله؟! قطعا لا, رأيت كل ما رسم وسمعت كل ما عزف وقرأت كل ما كتب لكني لم أجد قط ((قصة كفاح)), الواقع تركنا نهرب منه إلى الخيال لكنه أثبت تفوقه عندما عجز الجميع عن تجسيد قصص الكفاح بتلك البراعة التي صاغها لنا الواقع, لكن قصة الكفاح التي اختار الواقع أن يمتاز بها دامية...مؤلمة...نازفة...لوثت ريشة الفنان وبترت أصابع العازف, شلت قلم الكاتب وصبغت الكون بلونها الدامي, تلك قصص رواها لنا الواقع في فلسطين مرة وسوريا مرة أخرى, في العراق في الماضي ولا ندري أين في المستقبل, في ربيع عربي أورقت أزهاره بعبير الدم النقي, قصة أم ثكلت أولادها شهداء واحدا تلو الآخر, قصة أب استقبل مولوده من جوف الرحم ليدفنه في جوف الرمال بعد سويعات, قصة طفل حمل أخاه بين ذراعيه العاجزتين يبكي والدموع لا ترد الروح في جسد القتيل, قصة صرخة خرجت رغم حبل المشنقة, قصة قلب نبض رغم سيل الرصاص, قصة دمع قصة دم,قصص تحكي دم يرسم صراخ يعزف وتاريخ يكتب, قصة حر كسر القيد, قصة قلب نبض بحب, قصة روح تركت طفل, قصة أقصى يسجن, قصة بيت يهدم, قصة طفل يقتل, قصة حيّ يقصف, صرخة قدس تجمع عربا, صرخت أم هزت عرشا, صرخة طفل قتلت وحشا, صرخة وطن نهض بقوة, برك دماء مُلئت, سحب سماء دمعت, قصص كفاح, قصص مجد, قصص نضال, قصص كرامة, قصص تفرد بها الواقع فعجزت أمامها أقلامنا, مهما خططنا ورسمنا مهما عزفنا وروينا تبقى قصص الواقع وحدها.....لتلوث أيادينا بدمائها...تحكي عن.........ماعجزت عنه عقولنا وتخاذلت عنه آدميتنا, أما آن للواقع أن يعتزل؟ أما آن له من حد يتوقف عنده عن نسج تلك القصص واللوحات المسموعة؟!

بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

11/10/2012


الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

أحب الأبيض والأحمر!



اتسعت عيناه في لهفة وارتجفت اصابعه وهو يسكب مربى الفريز الحمراء على الزبادي ناصعة البياض

بلل شفتيه بلسانه ليس من جوعه بل من النشوة التي انبعثت في جسده من مرأى اللون الأحمر القاتم وهو يصنع لوحة غاية في الجمال على الصفحة البيضاء

وأخذ يحدق في الوعاء بانبهار وهو يتأمله في هيام

يرسل عينيه هنا وهناك يراقب اللون الأحمر وهو يتهادى بين التلال البيضاء

ارتفع صوت والدته من ورائه تقطع تأملاته وتجعل شعر رأسه يقف من المفاجأة كأن تيارا كهربيا مر به:أما زلت تحدق بالطعام؟ستتأخر عن المدرسة

فيتناول طبقه في انزعاج على عجل ويضع حقيبته على ظهره واقفا أمام الباب

يتساءل في حيرة: أيهما يرتدي؟الحذاء الأحمر؟ام الأبيض؟

ينظر إلى جواربه فيجدها باللون الأبيض فيرتدي الحذاء الأحمر

يرتدي قفازيه من اللونين الأبيض والأحمر ويحكم إغلاق سترته البيضاء التي تتخللها خطوط حمراء

ويخرج سائرا في شموخ وعلى وجهه ابتسامة فقد تمكن من تحويل نفسه الى كتلة من اللونين الأبيض والأحمر

ثم تختفي تلك الابتسامة ليحل محلها العبوس ثم الضيق

ينظر الى كل تلك الثلوج حوله يالجمال اللون الأبيض ولكن أين الأحمر؟

أليست هناك وسيلة تمكنه من مخالطة كل هذا البياض بالإحمرار؟

ينظر الى قدميه فيجد حذاؤه الاحمر يسير فوق الثلوج البيضاء فيبتسم

ينظر خلفه فيجد الثلوج قد عاد اليها بياضها ثانية حتى آثار حذائه الأحمر صارت بيضاء

فيعبس

ينظر الى قدميه فيجد البياض والإحمرار

ينظر خلفه فيجد فقط البياض فيغضب

ينظر الى قدميه فيجد الأحمر والأبيض

ينظر خلفه فلا يرى سوى البياض فينفجر ف البكاء

ويجلس بين الثلوج يبكي بحرارة تكاد تذيبها

يحاول شخص او اثنان الاقتراب منه لكن بكاؤه يزداد ويبعثر الثلوج بقدميه

اما باقي المارة ممن اعتادوا رؤية هذا المشهد كل صباح فيلقون عليه نظرة عابرة ويكملون طريقهم

يتوقف عن البكاء وينهض وعلى وجهه علامات الحزن ويذهب الى المدرسة ويجلس في مكانه لا يتحرك

اصدقاؤه يضحكون وهو ساكن

يمرحون وهو ساكن

يلعبون وهو ساكن

يتحدثون وهو ساكن

يرتفع صوت المعلمة تطلب منهم الخروج واللعب في الفناء

يتجه الى كومة من الثلوج يعبث بها بيديه ثم............آآآآآآآآآآي

يتأمل قطعة الزجاج التي جرحت اصبعه

تجتمع الدموع في مقلتيه

يستعد للبكاء

ولكنه يتوقف

جذب انتباهه ذلك الخيط الأحمر الذي يسيل من اصبعه على الثلوج البيضاء

تمر لحظة ثم ينفجر ضاحكا

يمسك الثلوج ويصنع منها أشكالا جميلة ويقبض على قطعة الزجاج فيسيل الدم غزيرا ليغرق الثلوج

لقد وجدها

لقد علم كيف يخالط بياض الثلج بالإحمرار

يشعر بالنعاس

لكن كلا

ليس الآن

لن ينام الآن

ضحكاته تعلو

النعاس يزداد

يخفت صوت ضحك الأطفال حتى يحل محله السكون

ويرتسم الفزع على الوجوه

تنتبه المعلمة فتخرج منها صرخة قصيرة

وهو يقاوم النعاس

ولم يعد يسمع ف الملأ إلا ضحكاته

ولكن النعاس يغلبه

لا يريد

يحب الأبيض والأحمر معا

لكن السواد آت لا محالة

والنوم سلطان

فينام وهو يردد

أحب الأبيض والأحمر!

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

2010