الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

الآخر



أخذت أروح وآتي في غرفتي كليث حبيس, أركل كل مايعترض قدمي وألهث, مررت من أمام ذلك السطح الناعم الزجاجي فرأيته بطرف عيني يقلدني, يروح ويأتي يروح ويأتي يروح ويأتي, كاد يصيبني بالجنون, توقفت أمامه ونظرت إليه قابلتني عينان محمرتان وشعر مشعث, هالات سوداء مرعبة أسفل هاتين العينين, كان يلهث في غضب وغيظ مثلي, وكلما أتيت بحركة يفعلها معي, أفتح فمي لأتحدث فيفتح فمه, أغلقه فيغلقه...كدت أجن, اقتربت منه وعيناي تتطاير منهما الشرر ففعل مثلي حتى التصق أنفي بأنفه, لم أشعر بأنفاسه اللاهثة بل كلما زفرت ظهرت سحابة بخار ماء على ذلك السطح الرقيق الذي يفصل عالمي عن عالمه, نظرت إليه بتحدي فبادلني التحديق بتحدي, أمسكت أول ماوصلت إليه يدي وهويت عليه أحطمه..أحطمه..أحطمه..أحــــــــــطـــــــــمـــــه, اختفى ولكني أعلم أنه مايزال موجودا هناك, فقط أنا حطمت النافذة التي أراه منها..فقط..أكرهه..بشدة..أكره شكله..هيئته..شخصيته..إنه كاذب..مكار..خائن..أناني..كريه بما تحمل الكلمة من معنى,أخذت ألهث وأنا أرى بعض قطرات الدم تسيل من جرح في يدي, نظرت إلى الساعة..لقد اقترب الموعد..ارتديت ثيابي على عجل بلا اكتراث..بل تعمدت أن يكون شكلي مبهرجا فهو أحقر من أن أعدّل من شكلي لأجل لقائه!!! نزلت إلى الشارع أسير كقطار لايتوقف والناس تبتعد عن طريقي وهي تنظر إلي في رعب, دخلت أحد المحال لبيع المرايا وما ان وقفت في وسط المحل حتى رأيته يطل علي من كل جانب واتجاه..كدت أحطمه ثانية ولكني استجمعت كل مابقي لدي من إرادة لمنع نفسي.....نفسي؟! أكرهها أكرهه فهو وهي وانا واحد! أكرههم جميعا, وجدت واحدة بطولي تظهره كاملا.....ذلك المقيت,أخذتها وحملتها من ظهرها حتى لا أراه, ألقيت للبائع ثمنها وجررتها جرا خارج المحل.....سمعت البائع يهرول خلفي ويناديني...ماذا يريد ذلك الأحمق؟ فليذهب إلى الجحيم...أكملت طريقي حتى مقهى...كان هو مكان اللقاء, دخلت فحدقت بي الأعين بدهشة فلم أعبأ بهم.....فليذهبوا جميعا إلى الجحيم, فاليوم سينتهي كل شئ....سيتركني وحدي,لقد اتفقنا على هذا الموعد لأرى مايريده فأعطيه له ثم يذهب ويتركني لحالي, ابتسمت بشراسة للفكرة....نعم ,نعم سأصبح حرا بدونه, ثبت المرآة على أحد الكراسي الشاغرة وجلست على الكرسي المقابل له ,تبادلنا النظرات للحظات.....دقائق.....وهو صامت مثلي,فتحت فمي ففتحه,أغلقته فأغلقه, تصاعدت الدماء إلى رأسي وقررت أني سأتحدث ولن أسمعه, أخذت أتحدث وهو يتحدث معي, لم أسمعه ولا أدري إن كان سمعني, الناس تحدق بي برعب...هل يرونني مجنونا؟ نعم أنا مجنون,هو السبب...سأعود لعقلي عندما يذهب, اقترب مني أحد العاملين بالمقهى وبتردد حدثني وأنا لا أسمعه,بل احمرت عيناي بلون الدم من ذلك الذي أمامي,ليصمت قليلا ويسمعني...لايهم...سأتم الصفقة رغما عنه, وسيتركني شاء أم أبى, تعالى صياحي وهو كذلك...لم أسمعه لأن صوتي كان يملأ أذني لكنه بدا ثائرا مثلي...غبي, شعرت بذراعين قويتين تجرانني جرا خارج المقهى, وانا أقاوم وأقاوم ولكن بلا فائدة,بعد ثوان كنت في الخارج بالعراء واغلق باب المقهى أمامي, أصمت للحظات ثم أدركت ماحدث.....لقد تخلصت منه...للأبد.....ذهب.....نعم,لقد تخلصت منه.....لقد صرت حرا...أخذت أرددها بأعلى صوتي وأنا أسير مترنحا في الشوارع من حلاوة النصر, عدت إلى شقتي,دخلتها وأنا أشعر براحة كبيرة,لقد تخلصت منه,خلعت معطفي وذهبت أعلقه,مررت من أمام ذلك السطح المستوي المقيت...فلمحت بطرف عيني خيال من يتحرك هناك!!! عدت أدراجي ووقفت أمامه فوجدته...هناك...مايزال...جحظت عيناي وتوقفت عن التنفس...شعرت بالألم يمزق صدري والخدر يسري في أنحاء جسمي...ثم أظلمت عيناي...وأخيرا...تخلصت منه...للأبد!

بقلم:غفران حبيب(( دوشة كبيرة))

الاثنين، 26 نوفمبر 2012

الفصول الأربعة


على نفس هذا المقعد
تجلس 4 مرات كل عام
في نفس التاريخ
منذ دهور سحيقة
وبرغم ذلك
تراها ماتزال في الخامسة من عمرها
ما الذي حدث؟ ولماذا هي؟
لا تعرف ولا أحد يعرف
فقط تذكر أنها في مرة كانت في نزهة قصيرة مع والديها
وكان الجو غريبا مريبا
مزيج من الفصول الأربعة
الصيف الشتاء الربيع الخريف
وضاعت في هذه الغابة
رغم الرياح الجافة
الشمس الدافئة برهة والحارة برهة أخرى
كانت هذه البقعة مثلجة !!!
غابة صغيرة تحفها أشجار عملاقة خضراء وتغطي الأرض طبقة جميلة من الثلج الأبيض
لم يرها أحد سواها .......
ام ماذا؟
دخلت ولم تخرج منذ ذلك اليوم
اليوم هو الـ 23 من شهر ديسمبر
لم يكن معها نتيجة مثلا تعرف بها التاريخ
لكنها تعرف
فقط تعرف
اليوم موعدها مع جنيات الثلج
في مكان ما من العالم لا تعرفه هي دقت ساعة لندن تعلن عن منتصف الليل
هي لم تكن في لندن ولم تذهب اليها قط
لكنها عرفت أنها دقت
رفعت عينيها المتسعتين إلى السماء 
فراشات زرقاء جميلة
انها  في الحقيقة جنيات صغيرات يدرن بسرعة فيحدثن ألوانا جميلة ومن بينهن تظهر طفلة بيضاء 
عيناها ناعستان وشعرها الأبيض ينساب حتى قدميها
مع كل حرف تنطقه وكل هواء تزفره تخرج أنسام باردة من بين شفتيها الدقيقتين ومعها جسيمات الثلج السداسية الجميلة
تبسمت لها بمودة واقتربت منها تربت على يدها الصغيرة
هي ليست جنية صيف ولا شتاء
ولا ربيع ولا خريف
لكن حدث شئ ما جعلها هنا للأبد
تنتظر فتاة الشتاء الناعسة الرقيقة
وفتى الصيف الشقي المشاغب
فتاة الربيع الجميلة النشيطة
وفتى الخريف الحساس عميق النظرات
اعتادوا على وجودها وزيارتها كل عام
تمسك ايديهم الصغيرة بيدها الدقيقة ويلفون العالم يغلفونه مع الجنيات الصغيرات بذلك الفصل
في تلك الليلة أخذوا يدورون بحبات الثلج الجميلة يبعثونها هنا وهناك ويداعبون بها الحيوانات ويرشونها بلطف على أوراق الشجر
تركوها تتساقط برقة من بين السحاب تداعب وجوه الأطفال الأبرياء
وتثير ضحكاتهم وبسماتهم
عادوا ثانية لتلك الغابة حيث هي منذ دهور
ودعتها فتاة الثلج وطبعت قبلة باردة على خدها
ثم ذهبت مع جنياتها زرقاء اللون الجميلات
وجلست تنتظر فتاة الربيع مع جنياتها الملونات بصبر
لتنفض عن الدنيا تلك الثلوج البيضاء
وتكسوه بالألوان


بقلم :غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
19/7/2012

الأحد، 25 نوفمبر 2012

الجبل


كان "ميجوري" يسير بسيارته بسرعة عادية, اليابان مليئة بالجبال وقد زحف العمران وولدت الحضارة في قلب هذه الصخور كزهرة يانعة, لم تشكل الجبال عائقا فغمرها العمران والطرق الممهدة الحديثة وهي آمنة تماما واعتادها اليابانيون حتى صارت جزءا لا يتجزأ من حياتهم, لكن الجهتين اللتين يصل بينهما جبل "........" الموجود في أقصى حدود البلد الشمالية أنشئ بينهما طريق  آخر عبر نفق داخل الجبل فلم يعد هناك داع لصعود الجبل الذي صار شبه مهجور بعد أن كف الناس عن السير فيه, واختصروا الطريق من الطريق المنشئ حديثا لكن "ميجوري" كان يشعر بالفراغ يكاد الملل والروتين يقتلانه, لقد كف عن سلوك طريق الجبل منذ زمن ولكنه شعر بشوق مفاجئ له, فكر في أنه اشتاق لذلك الطريق وانه سيتمكن من كسر روتينه اليومي إذا ماعبره اليوم في طريقه من عمله إلى البيت, أدار المقود وانحرف عن الطريق المعتاد صاعدا الجبل على الطريق القديم الذي مايزال برغم كل شئ ممهدا, نظر حوله فرأى سيارته الوحيدة, شعر براحة لتلك الوحدة التي تمناها بشدة واسترخى في مقعده وهو يقود في سرعة ماتزال عادية, مر الوقت حتى وصل إلى منحنى حاد يتوارى فيه بقية الطريق خلف الجبل, لسبب ما جرفه الحنين للأيام الخوالي عندما كان يسير بسرعة عالية في تلك المنحنيات, لم يعط نفسه فرصة للتفكير, ضغط على دواسة الوقود وارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يتشبث بالمقود واثقا من نفسه ينتظر اللحظة الناسبة للانسياب مع المنحنى ولم تخنه قدرته فانساب فعلا معه وظهر له الجزء الآخر من الطريق عندها ارتسمت علامات الفزع على وجهه عندما رأى تلك الحافلة المتوقفة في منتصف الطريق وركابها المتناثرين حولها,لم يعلم ما يفعل أدار المقود بقوة فارتفع زئير العجلات وكادت قدمه تخترق أرضية السيارة بالفرامل وانحرفت السيارة بقوة مصطدمة بالجبل ثم انقلبت على جنبها واشتعلت فيها النيران وبداخلها كان هنالك جسد جريح يحاول التخلص من حزام الامان ولكن صوت الانفجار قضى على أي أمل في النجاة........وتصاعدت رائحة اللحم المشوي.......

~~~~~

جلس "جاكي" على مقعد القيادة في تلك الحافلة والذي يجلس عليه منذ 35 عاما, تجاعيد وجهه تروي عراكه مع الحياة وبريق عينيه المنطفئ يدل على أنه لم يفز في ذلك العراك,كان شابا صغيرا امتلأ حيوية ونشاطا...ظن أن تلك هي البداية ولكنه مايزال على نفس المقعد في نفس الحافلة منذ ذلك الوقت, يقود في بطء مدروس متعمد ويستمع إلى شهقات السياح المألوفة وعباراتهم المادحة المستحسنة بكل اللغات, طوال الوقت يستمع إلى كليك...كليك الذي يصدر عن كاميرات أولئك القوم المتحمسين لكنه لا يعيرهم اهتمامافلم يعد هناك شئ يهمه, فقط يتمنى أن تنتهي هذه الجوة سريعا وينتهي اليوم بل ياليت الحياة تنتهي أيضا بسرعة, تمنى تلك الأمنية ونسيها كمن ألقى قطعة معدنية في البحر  ولم يخطر بباله أنه سيجدها في بطن السمكة التي يصطادها في نفس ذات الحين, تململ متضايقا وهو يعترض بصمت على تغيير مسار الرحلة, إنه منذ وقت طويل يسير في نفس المسار لا يتغير سوى الراكبون معه, ولكن نزولا لطلب سياح هذه الجولة تم تغيير المسار بحيث سيصعد جبل"......" ويعبر الطريق التي لم يعبرها منذ زمن, تثاءب وهو يقود الحافلة صاعدا الجبل حيث تبدو معالم المدينة صغيرة بقطاراتها وسياراتها وأبنيتها وحتى ناطحات سحابها وتبدو الشمس الآفلة للغروب قريبة منك حتى تعتقد أنك ستلمسها إذا مامددت يدك قليلا بعد, تزايد صوت الكليك...كليك في جنون ثم هدأ وهدأ كل شئ والجميع يتأمل مشهد الغروب في افتتان, لم يرد قطع تأملاتهم ولكن أمامه منحنى حاد بحيث يختفي الطريق خلف الجبل, أبطأ السرعة قليلا وهو يمر لضيق المنحنى وما إن بدأت الحافلة بالعبور حتى زاد السرعة قليلا قبل ان تنحرف الحافلة لكنه فوجئ بحافلة أخرى واقفة في منتصف الطريق وقد تناثر ركابها حولها, لم يشعر بنفسه وهو يضغط على دواسة البنزين من هول المفاجئة وحاول تدارك الأمر وإدارة المقود ولكن للأسف في الجانب الخطأ ولو يجد وقتا لتعديل خطأه فقد اتجهت الحافلة بكل ثقلها إلى الحافة مخترقة الحواجز الموضوعة ثم إلى قلب الوادي وهدأت الصرخات الفزعة وساد الصمت ولم يعد هنالك سوى صوت الوادي الذي يرشف تلك الدماء الطازجة في عطش.............

~~~~~

كليك...كليك...كليك, نظر المحقق "ياماموتو" إلى رجاله في ملل وهو يتساءل في نفسه:- ((ما الذي يفعله هؤلاء الحمقى؟ ماذا وجدنا عندما كان لدينا جثة وأدلة؟ أسنجد شيئا بآثار فرامل فقط؟)) واسترجع الساعة الماضية عندما كان جالسا في مكتبه ورن جرس الهاتف, كانت إحدى شركات السياحة تقول بأن إحدى حافلاتها خرجت ولم تعد لا الحافلة ولا السياح وقد انقطع الاتصال بهم, طلب من الشركة خط سير الحافلة وبدأوا عمليات البحث, نظر "ياماموتو" إلى المخطط فعلم من أين سيبدأ هو, لم يكن لديه شك أن هذا هو ماحدث, جمع رجاله وصعدوا الجبل وعند ذلك المنحنى أوقفوا سياراتهم ونزلوا منها, كان المكان هادئا خاليا لا أثر لأي حوادث أو حافلات مقلوبة أو أي شئ, أدار عينيه في المكان فرأى الحاجز المحطم.....((سيدي)) نظر "ياماموتو" إلى أحد رجاله الذي كان راكعا على الأرض يتفحصها, كانت هناك آثار عجلات كبيرة حفرت في الأرض, آثار حديثة, آثار فرامل عجزت عن فعل شئ سوى رسم هذه الخطوط الحادة في الأرض تتبعها بنظره فرآها عند بداية الطريق قبل المنحنى  تسير في خط مستقيم وتنحني مع المنحنى ثم تنحرف فجأة وكأن......وكأن سائقها رأى شيئا أفزعه أو كاد يصطدم بشئ ثم تتجه إلى الوادي, احمر وجهه غضبا وأمسك بأقرب رجل إليه يجذبه من قميصه صائحا:- ((هذه ثالث حادثة هذا الشهر, الثالثة وماذا فعلتم؟ لاشئ, أخبروني ماهو عملكم إذا لم تكونوا قادرين على حل مثل هذه القضايا؟ وماذا سيحدث؟ ستمارسون أعمالكم التقليدية ثم يغلق الملف ثم لاشئ...أريد حلا أعطوني إجابة لما يحدث, هل يصاب الجميع بالجنون عندما يصلون إلى هنا؟ كيف تحدث هذه الحوادث؟أجيبوني....))
أصيب الرجل بالدوار وكاد يفقد الوعي من شدة هز المحقق له فقد كان يهزه بقوة من قميصه وكأنه دمية صغيرة عاجزة عن النطق وليس بيده سوى الخضوع, تدخل الباقون يهدئون "ياماموتو"  ويقومون بنفس العمل لثالث مرة هذا الشهر وكل واحد منهم يعلم في قرارة نفسه أن النتيجة هي لاشئ فعلا وليس باليد حيلة...إن السائقين حقا يصابون بالجنون عند هذا المنعطف وينحرون جميعا بسياراتهم بلا سبب يذكر, جلس "ياماموتو" يراقب رجاله في شرود وعقله يعمل بسرعة, يجب أن يجد حلا, يجب, سمع أحد رجاله يقول:- ((حدثت الحادثة وقت الغروب ياسيدي)) تمتم بآلية:- ((مرة في الفجر ومرتان في الغروب)) أقامت الشرطة حواجزها في المكان لمنع الناس من الاقتراب هذا اذا كان هنالك أحد يقترب من هذا المكان فعلا ولكنها الاجراءات وعاد الجميع إلى قسم الشرطة مع أمل في استكمال التحقيقات ويأس من النتائج, لكن "ياماموتو" لم يكن على استعداد لانتظار النتائج هذه المرة, سيتصرف هو بنفسه, عاد إلى بيته بعد يوم مرهق ولم يغمض له جفن, أخرج كاميرا تصوير فيديو كانت لديه وبدأ يجربها ويختبرها وعندما تأكد من أنها صالحة وضع فيها شريطا جديدا وخرج إلى سيارته حيث ثبتها على سقف السيارة من الخارج وربطها جيدا ثم أوصل الحبل إلى داخل السيارة وثبته أسفل الفرامل بحيث ينقطع الحبل وتتدحرج الكاميرا بعيدا عن السيارة إذا ضغط أحدهم بقوة على الفرامل, عاد إلى البيت وحضر كوبا من القهوة جلس يرشفه أمام النافذة ينتظر الخيط الأول من الضياء يشق السماء السرمدية السوداء وعندما ظهر, ارتدى ثيابه وركب سيارته وسار بها حتى وصل إلى بداية طريق الجبل, أوقفها ونزل منها وشغل الكاميرا وتأكد من أنها تصور الطريق جيدا وعاد إلى سيارته صاعدا الجبل, حرص على ألا يسير بسرعة عالية فالفجر مايزال وليدا والظلام برغم كل شئ يبدو أنه مايزال مسيطرا, وصل إلى المنحنى فابتلع ريقه وشعر بأنه سيعرف.....حتما سيعرف كان باقي الطريق يختفي خلف الجبل , زاد من سرعته قليلا لا إراديا وهو يعبر المنحنى عندما فوجئ بحافلة واقفة في منتصف الطريق وقد تناثر حولها ركابها لكن المفزع أنهم لم يبد عليهم أنهم لاحظوه من أساسه بل الأكثر رعبا أنهم كانوا يشعون ضوءا باهتا, لقد كانوا مضيئين رآهم بوضوح في ضوء الفجر الخافت, ضغط على الفرامل بقوة فازدادت سرعة السيارة...ياإلهي هذه ليست الفرامل, وضغط على الفرامل ولكن الأوان كان قد فات, انقطع الحبل وتدحرجت الكاميرا على الطريق في الوقت الذي تدحرجت فيه السيارة في اعماق الوادي الذي غنم ضحية جديدة..........
~~~~~


عندما جاء الصباح, جاء رجال الشرطة إلى الموقع ليجدوا آلة تصوير ملقاة على الأرض ومربوطة بحبل مقطوع وقد ألصقت عليها ورقة:-

{ أنا المحقق "ياماموتو" إذا وجدتم هذه الورقة ولم تجدوني فقد ضحيت بحياتي من أجل كشف سر الحقيقة.....ستجدون في الشريط داخل الكاميرا سر ماحدث في الحوادث الماضية وسنجد حلا لهذه القضية...} 

نظروا بلهفة إلى آلة التصوير وأخرجوا شريطها مسرعين بها إلى قسم الشرطة وهناك جلس الجميع يشاهد الشريط في لهفة...طريق الجبل العادي والدقائق تمر ثم يظهر المنحنى...يحبس الجميع أنفاسهم وهم يرون الصورة تستدير مع المنعطف, ويظهر الجزء المختفي من الطريق خلف الجبل...طريق ممتد برئ لا شئ فيه, فجأة تهتز الصورة وتضطرب وتنحرف بقوة ثم تتقلب المشاهد أمامهم دلاله على تدحرج الكاميرا وعندما تستقر لايظهر سوى الطريق الخالي للجبل, ينظرون إلى بعضهم البعض وبعد أيام أغلقت القضية كالمعتاد ولكن الوادي سيظل ظمآنا ويجتذب كل فترة ضحية جديدة........



بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



الخميس، 22 نوفمبر 2012

~ ~ My Angel ~ ~



جلست عند جذع شجرة عجوز ... أنتظره في لهفة وأنا أعلم في داخلي أنه لن يأتي ... لأنه ليس هناك موعد بيننا ... رفعت رأسي إلى السماء فأطل علي وجهه الوسيم مضيئا بلون فضي ناعم بين النجوم , شعرت بالغيرة من تلك النجمات, فماذا أساوي أنا بجانب تلك الآلئ الحلوة؟ قطبت جبيني وقلبي الصغير ينقبض ألما, نظرت إليه أستعطفه فابتسم لي في حنان, وامتدت أشعته الباردة الجميلة تحتوي جسدي الصغير........
نظرت للبحر الكبير ... ذلك القوي الجبار ... هائج تتصارع فيه الأمواج حتى تصل بنعومة إلى الشاطئ وتنسحب عنه في حياء, رأيت فيه القوة والغموض الساحران, كبير يمتد إلى الأفق ... قوي يفهر كل مغرور وجبار ... وعلى ضوء القمر ظهرت حورية تسبح على سطحه في دلال وتتقلب في أحضانه بسعادة, لسعت الدموع مقلتي غيرة عليه من جمال الحوريات, فتلك شقراء وأخرى كالحليب بيضاء فماذا أكون أنا بجوارهن تلك الجميلات؟ شعرت به يداعب بنعومة قدماي ثم ينسحب بحياء عائدا من حيث أتى, أفرح ثم تدمع عيناي لكي يعود إلي ... فلا يخذلني ويداعب قدماي ثانية كأنه يقول لا تهمني العيون الزرقاء ولا تلك الشقراء ... أريدك أنتي ... أيتها الصهباء ... ذاب قلبي الصغير من حرارة ما بداخله من نيران, لم يرد تركي أحترق .......
نزلت حبات ثلج صغيرة علي من السماء ... ذابت على شعري ... انسابت على خدي ... استقرت في أعماق قلبي الولهان ... بيضاء ... ناعمة ... جميلة ... رأيته فيها ... لقد علمها الرقة وأعطاها الجمال ... فتحت يدي فسقطت حبة ثلج صغيرة رائعة الجمال ... تأملتها في افتتان, شعرت بأني أحمل جزءا منه بين يدي الاثنتان ... ضممتها إلى قلبي ... نظرت إليه ... اختفت ... كما يختفي هو دائما من بين يدي ... لم أحاول ضم إحداها ثانية ... اكتفيت بإغماض عيني وتركه يداعب وجنتي بحنان ... كسى الأرض ببياضه الفتان ... أخذت أقلب عيني هنا وهناك ... أراه في كل مكان ... ومن بين الثلوج البيضاء ... انشق الثلج ... 
وخرجت وردة صغيرة حمراء ... مالت نحوي تبتسم إلي ... حينها ... عرفت أنها تعلمت منه الابتسام ... تحسستها أناملي برقة فمالت نحوي تلتمس الدفء ... أخذته أضمه في أحضاني يستمد مني الدفء وأستمد منه الأمل ... 
شقشق الفجر وجاء عصفور يغرد في سرور ... نظرت إليه وأنا أعلم أنه هو من علمه الغناء ... التفت حوله الإناث ترتوي من غزله الجميل ... لكنه أبى الهدوء والسكون ... أبى توجيه غزله لإحدى أولئك الحسان ... هو أمير الغزل أنعم على العصفور ... فأعطاه القدرة على الغزل الحلو ... أخذت العصفورات تتقربن إليه مسحورات ... نظرت إليه ... تركهن وحط على يدي ... يبعث إلي بغزل في أعذب الألحان ... طبعت على رأسه قبلة ... أرسلتها لمن سكن قلبي وعلم العصفور الكلام ... أراه في كل شئ ... فهو الكل ... والأشياء منه أجزاء ... أتمنى لو أحتضن الدنيا كلها ... لعلي أطفئ نار قلبي بمعانقة أجزاءه الموجودة حولي في كل مكان ... سأجلس كل يوم وحدي ... أراقبه في شوق وتملؤني الأحلام ... سآتي في الموعد لكنه لن يأتي ... لأنه ليس بيننا موعد ... فهو لايعرف بوجودي ... ملاكي ... مالك الروح والجنان

بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

 6/5/2012


الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

خاين!







أبرقي يا سمـــــــاء..زمجري يارعـــــــود


زلزلي ياجبـــــــال وانفضي عنكي الجمود


اعصــــــفـي بالطغاة إخوان اليهـــــــــــود


إلفظي يابــــــراكين ما بك من خمــــــــود


إكويهم بنــــارك وامحي مابهم من بــرود


سفكوا الدمــــــاء ومزقوا العهـــــــــــــود


نسوا أن العـــالـــم على جرمهم شهـــــود


لكن أيـــــن الأبطال؟ ضاع منا الأســــــود


تخـــــاذلوا عن النداء وأغمضوا الجفــون


اعتزلوا الجهاد وأخذوا يعدون الكفـــــون


على شهيد تبكي وتدمى المآقي والجفــون


ذبـــحـــه أسد وأخوه ذلك الصهيـــــــــون


سياسة تحول مابين الأسير والحريـــــــة


عرب اجتمعوا من أجل الدبلوماسيــــــــة


وافترقوا على أن تكون مناصرتهم سلمية


يناشدون الأســــــد بكلمات وهميــــــــــة


أما أيقظتهم صرخة شبل في حــــــلــــب؟


ألا يذكرون أن الحــــــــــق يوما قد غلب؟


وبواسل سوريا صاغوا دروعهم من ذهب


انهضوا أيها النيـــــام وهبوا أيها العــرب


ننفض عنا الغبار فالحق دوما منــتــصـــر


والليل مهما طــــــال بعده حتما فــــجــــــر




صرخة شبل سوري




بقلم: غفران حبيب((دوشة كبيرة))



الأحد، 18 نوفمبر 2012

أطفال في السماء


فتح عينيه ببطء وكسل, شعر بفراشه الوثير يلامس جسده الصغير في نعومة, للحظة تخيل أن ماحدث كان حلما وسيجد والدته الآن تحتويه بين ذراعيها, لكنه لم يجدها, وقف ليجد أنه كان يتوسد الأرض وينام عليها, لكن أي ارض هي بتلك النعومة والجمال؟! كانت بياضا امتد من تحت قدميه الصغيرتين إلى نهاية الأفق, كاد يبكي هاتفا باسم والدته لعلها تأتي إليه, نظر خلفه فوجد إخوته واقفين تدمع أعينهم وتختنق عبراتهم, رنت كلمات والدته في أذنيه:"أدهم...انتبه لإخوتك جيدا,أنت صرت رجلا مسئولا الآن" وتنتفخ أوداج صدره الصغير فخرا بمدحها, كبت حزنه ودمعه وتظاهر بجلد طفولي جميل يحاول بث الشجاعة في قلوبهم, هتفت نور الصغيرة "أين نحن؟" عجز عن الإجابة فأكملت حنين :"أريد العودة إلي البيت" فعجز أيضا عن الرد, تعلق محمد الصغير به وعيناه دامعتان تتحدثان بلا حروف, كان أصغرهم وأكثرهم تعلقا بوالديه فلم يجد ردا سوى أن يربت على ظهره بيده الصغيرة بلا حيلة, من بعيد ظهر أشخاص آتون اتجاههم أشارت إليهم حنين:"انظروا" تجهم أدهم :"أمي طلبت منا ألا نتحدث إلى الغرباء" وكأنه ذكرهم فانفجرت نور باكية :"ولكن أين أمي؟" اقترب الأشخاص فرأوا تباين ملامحهم, أحدهم شيخ عجوز تبدو الطيبة في عينيه وشاب في مقتبل العمر والآخر بدا كوردة لم تجد الوقت لتتفتح قبل أن يختطف الموت عبيرها, نظروا بدهشة إلى الأطفال الأربعة ورأوا تلك البراءة الجميلة في أعينهم التي ضن بها الموت  على قذارة العالم فانتشلهم منه, كبراعم صغيرة في فصل الربيع تنتظر إزهارها, رأوا التشابه بينهم فتقلصت قلوبهم ألما على والديهم, اقترب الشيخ منهم يواسيهم ويحاول تخفيف خوفهم فاطمئنوا له, سألهم:"ماذا حدث لكم؟" صمتوا بلا إجابة ثم نطق أدهم:" في الصباح لم ترد أمي أن نذهب إلى المدرسة بلا سبب لكنها كانت قلقة, كانت في قمة توترها وعصبيتها تتحرك بلا هدى بين غرفات المنزل, تنظر إلينا وكأنها لن ترانا ثانية! أخذت تعد لنا اشيائنا ولا تكف عن نصحي بالحذر والاعتناء بإخوتي, احتضنتنا مرارا وتكرارا قبل الذهاب حتى أننا مللنا......صعدنا إلى الحافلة وجلسنا مع اصدقائنا, هناك قطار نراه دوما في الطريق لكنه اليوم لم يأتِ, وكدنا نذهب وفي منتصف الطريق ظهر القطار مسرعا............" ثم صمت في حيرة وكأنه لا يذكر ماتبقى أو ماحدث وبدت الحيرة في عيون إخوته أيضا يحاولون التذكر لكن نهر الذكريات توقف عند هذا الحد! أما الشيخ والشابان فقد كسى وجوههم الألم, اقتربت نور من الشاب الجالس بجوارها وقد اطمأنت إليه :"أريد العودة إلى أمي" رفع عينيه إلى عينيها المتسعتين براءة وفضولا ولم يجد مايقول فخفض رأسه هامسا :"وأنا أيضا أريد العودة إلى أمي" رفعت رأسه بيدها الصغيرة وعيناها ماتزالان تفيضان فضولا:"وأين هي؟ لماذا لا تذهب إليها؟!" رد بحزن:"ذهبت إلى المباراة مع اصدقائي اشجع فريقي عندما انقلبت المباراة إلى........" منعته يد الشاب الآخر في حزم من الاسترسال ونظر إلى نور التي تحترق فضولا:" أنا أيضا أريد العودة إلى أمي..........لكننا لن نستطيع" بكى محمد فاستدرك الشيخ:" هم سيأتون إلينا لا تقلقوا" بعث قوله بعض الطمأنينة فيهم ولكنهم نظروا إليه بشك وقالت حنين:"متى؟" نظر الثلاثة على بعضهم ونهض الشيخ قائلا:" في القوت المناسب سيأتون معنا هنا وسنظل سويا إلى الأبد" نهض الصغار معهم وقد شعروا من هذه اللحظة أنهم أصبحوا عائلتهم حتى.......حتى يأتي ذلك الوقت المناسب.


بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
18/11/2012


الجمعة، 16 نوفمبر 2012

قصة كفاح "مقال"


عندما يمسك الرسام بريشته فاعلم أنه سيرسم جزءا من عالم يراه ولا نراه, ذاك العالم الجميل الملقب بعالم الخيال, عندما يجلس العازف هائما إلى البيانو يداعب أزراره مغمض العينين عندها اعلم أنه عرض عليك تذكرة ذهاب وعودة إلى العالم الذي يسكن بداخله, وكذلك الكاتب إذا أمسك بقلمه فهو ينسج لك من بضعة حروف قطعة من كونه يقدمها لك عن طيب خاطر, كلهم غاصوا في عوالمهم وعادوا إلينا برسم أو معزوفة أو قصة تنتشلنا من الواقع, البعض استمد وحيا من الواقع ومزجه بالخيال وإلا لما أقبلنا على مايصنعون, أيهرب المرء منا من واقع إلى واقع آخر يماثله؟! قطعا لا, رأيت كل ما رسم وسمعت كل ما عزف وقرأت كل ما كتب لكني لم أجد قط ((قصة كفاح)), الواقع تركنا نهرب منه إلى الخيال لكنه أثبت تفوقه عندما عجز الجميع عن تجسيد قصص الكفاح بتلك البراعة التي صاغها لنا الواقع, لكن قصة الكفاح التي اختار الواقع أن يمتاز بها دامية...مؤلمة...نازفة...لوثت ريشة الفنان وبترت أصابع العازف, شلت قلم الكاتب وصبغت الكون بلونها الدامي, تلك قصص رواها لنا الواقع في فلسطين مرة وسوريا مرة أخرى, في العراق في الماضي ولا ندري أين في المستقبل, في ربيع عربي أورقت أزهاره بعبير الدم النقي, قصة أم ثكلت أولادها شهداء واحدا تلو الآخر, قصة أب استقبل مولوده من جوف الرحم ليدفنه في جوف الرمال بعد سويعات, قصة طفل حمل أخاه بين ذراعيه العاجزتين يبكي والدموع لا ترد الروح في جسد القتيل, قصة صرخة خرجت رغم حبل المشنقة, قصة قلب نبض رغم سيل الرصاص, قصة دمع قصة دم,قصص تحكي دم يرسم صراخ يعزف وتاريخ يكتب, قصة حر كسر القيد, قصة قلب نبض بحب, قصة روح تركت طفل, قصة أقصى يسجن, قصة بيت يهدم, قصة طفل يقتل, قصة حيّ يقصف, صرخة قدس تجمع عربا, صرخت أم هزت عرشا, صرخة طفل قتلت وحشا, صرخة وطن نهض بقوة, برك دماء مُلئت, سحب سماء دمعت, قصص كفاح, قصص مجد, قصص نضال, قصص كرامة, قصص تفرد بها الواقع فعجزت أمامها أقلامنا, مهما خططنا ورسمنا مهما عزفنا وروينا تبقى قصص الواقع وحدها.....لتلوث أيادينا بدمائها...تحكي عن.........ماعجزت عنه عقولنا وتخاذلت عنه آدميتنا, أما آن للواقع أن يعتزل؟ أما آن له من حد يتوقف عنده عن نسج تلك القصص واللوحات المسموعة؟!

بقلم: غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

11/10/2012


الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

أحب الأبيض والأحمر!



اتسعت عيناه في لهفة وارتجفت اصابعه وهو يسكب مربى الفريز الحمراء على الزبادي ناصعة البياض

بلل شفتيه بلسانه ليس من جوعه بل من النشوة التي انبعثت في جسده من مرأى اللون الأحمر القاتم وهو يصنع لوحة غاية في الجمال على الصفحة البيضاء

وأخذ يحدق في الوعاء بانبهار وهو يتأمله في هيام

يرسل عينيه هنا وهناك يراقب اللون الأحمر وهو يتهادى بين التلال البيضاء

ارتفع صوت والدته من ورائه تقطع تأملاته وتجعل شعر رأسه يقف من المفاجأة كأن تيارا كهربيا مر به:أما زلت تحدق بالطعام؟ستتأخر عن المدرسة

فيتناول طبقه في انزعاج على عجل ويضع حقيبته على ظهره واقفا أمام الباب

يتساءل في حيرة: أيهما يرتدي؟الحذاء الأحمر؟ام الأبيض؟

ينظر إلى جواربه فيجدها باللون الأبيض فيرتدي الحذاء الأحمر

يرتدي قفازيه من اللونين الأبيض والأحمر ويحكم إغلاق سترته البيضاء التي تتخللها خطوط حمراء

ويخرج سائرا في شموخ وعلى وجهه ابتسامة فقد تمكن من تحويل نفسه الى كتلة من اللونين الأبيض والأحمر

ثم تختفي تلك الابتسامة ليحل محلها العبوس ثم الضيق

ينظر الى كل تلك الثلوج حوله يالجمال اللون الأبيض ولكن أين الأحمر؟

أليست هناك وسيلة تمكنه من مخالطة كل هذا البياض بالإحمرار؟

ينظر الى قدميه فيجد حذاؤه الاحمر يسير فوق الثلوج البيضاء فيبتسم

ينظر خلفه فيجد الثلوج قد عاد اليها بياضها ثانية حتى آثار حذائه الأحمر صارت بيضاء

فيعبس

ينظر الى قدميه فيجد البياض والإحمرار

ينظر خلفه فيجد فقط البياض فيغضب

ينظر الى قدميه فيجد الأحمر والأبيض

ينظر خلفه فلا يرى سوى البياض فينفجر ف البكاء

ويجلس بين الثلوج يبكي بحرارة تكاد تذيبها

يحاول شخص او اثنان الاقتراب منه لكن بكاؤه يزداد ويبعثر الثلوج بقدميه

اما باقي المارة ممن اعتادوا رؤية هذا المشهد كل صباح فيلقون عليه نظرة عابرة ويكملون طريقهم

يتوقف عن البكاء وينهض وعلى وجهه علامات الحزن ويذهب الى المدرسة ويجلس في مكانه لا يتحرك

اصدقاؤه يضحكون وهو ساكن

يمرحون وهو ساكن

يلعبون وهو ساكن

يتحدثون وهو ساكن

يرتفع صوت المعلمة تطلب منهم الخروج واللعب في الفناء

يتجه الى كومة من الثلوج يعبث بها بيديه ثم............آآآآآآآآآآي

يتأمل قطعة الزجاج التي جرحت اصبعه

تجتمع الدموع في مقلتيه

يستعد للبكاء

ولكنه يتوقف

جذب انتباهه ذلك الخيط الأحمر الذي يسيل من اصبعه على الثلوج البيضاء

تمر لحظة ثم ينفجر ضاحكا

يمسك الثلوج ويصنع منها أشكالا جميلة ويقبض على قطعة الزجاج فيسيل الدم غزيرا ليغرق الثلوج

لقد وجدها

لقد علم كيف يخالط بياض الثلج بالإحمرار

يشعر بالنعاس

لكن كلا

ليس الآن

لن ينام الآن

ضحكاته تعلو

النعاس يزداد

يخفت صوت ضحك الأطفال حتى يحل محله السكون

ويرتسم الفزع على الوجوه

تنتبه المعلمة فتخرج منها صرخة قصيرة

وهو يقاوم النعاس

ولم يعد يسمع ف الملأ إلا ضحكاته

ولكن النعاس يغلبه

لا يريد

يحب الأبيض والأحمر معا

لكن السواد آت لا محالة

والنوم سلطان

فينام وهو يردد

أحب الأبيض والأحمر!

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

2010


الثلاثاء، 13 نوفمبر 2012

خيوط وقيود ... ضوء وخلاص





جلست تحدق فيهم لا تدرك ماترى ولا تعي ما تسمع تتأرجح بين عالمها وعالمهم دون نهاية أو قرار, تقيدها الخيوط والأوهام, خيط ضعيف لكنه يشل حركتها, خيط وهمي لكنه يمنع إرادتها, خيوط كثرت وتشابكت ولكن الحال واحد, بداية الخيط تقيدها ونهايته بين يدي واحد ممكن جلسوا حولها, حتى الدموع والبسمات قيدت بخيوط وقوانين, تظل تجذب وتجذب ولكن بلا جدوى فإن شحذت الانتباه ستجد أنه ليس لها قرار, فأي حرية هي تلك بالقيود, حتى الحروف وضعوا عليها قيود, وربطوها بالخيوط, فكل يسحب الخيوط ويرتب من الحروف ماشاء من كلمات, وعندما تعترض ينطلق خيط آخر يقيد الاعتراض, ويعطيه مخالفة وحكما بالسجن مدى الحياة, لم لايسمعون؟ لم لاينتبهون؟ التفكير ممنوع والكلام محال, فهي دمية وبالخيوط تتحرك الأوصال, فكيف للدمية الاعتراض والصراخ؟! فهل للمحكوم عليه يوما أن يحاسب الجلاد؟ ألا يرون أنها عن الدمى أبعد مايكون؟ وأنهم هم قيدوها ويوما ستنقطع الخيوط, وتشل اليد المحركة وتهترئ القيود, ولكن كيف يرون وعلى أعينهم غمامة؟ ومفاتيح القيود في يدهم وعلى فمها كمامة! ولكن الخيط يوما سيرتخي وينكسر القيد لا محالة وتطير سابحة في السماء وتصير رمزا تماما كغصن الزيتون والحمامة, سيصبحون ذات يوم ليجذب كل منهم الخيط فيجده انقطع ويبحث عن القيد ولكنه انكسر..وهي..هي..استترت بظلام الليل ذاهبة نحو الضياء, استترت بسكون الليل ليحلوا لها الكلام, ذهبت في طريق ليس له نهاية ولا قرار, ليس منه رجعة ولا اختيار, اتجهت نحو الضياء تاركة الجلاد غارقا في الظلام, رحلت وحيدة لكنها سعيدة فالضوء لها أنيس, يدعوها للشجاعة والكلام فليس بينهم من ليس من الأحرار, أما الباقون فصاروا يتخبطون, يبحثون عنها ولكن هيهات هيهات, لقد كانت كالنسيم لا يسمع لها صوت ولا أنفاس, ويوم رحلت علموا أنها كانت في صمود الجبال, واحتملت القيود وصادقت الأغلال, علموا أنها خرجت من بين بتلات زهرة جورية مع زقزقة العصافير ومداعبة الندى للأوراق, علموا أنها وجدت يوم تكسر القمر مكونا الهلال, علموا أنها سارت فوق السحاب ونامت في جوف محارة بين اللؤلؤ والمرجان, ولكن هيهات هيهات فقد رحلت نحو الضياء, سارت بخطى ثابتة وعلى ثغرها بسمة الخلاص, فأشفق عليها الضياء..وحاول ردعها في حياء, فتجيبه باسمة أنه ليس للموت قانون أو دستور فيأخذها في كنفه في حبور, فتختفي في ثنياته وتغرد العصافير في سرور, فاليوم لها عيد...لأنه يوم الخلاص!!!

بقلم:((غفران حبيب)) دوشة كبيرة


الاثنين، 12 نوفمبر 2012

التغيير "مقال"


تلك اللحظة التي مرت بكل شخص فينا لم تختر أحدا وحده ولم تترك أحدا وحده, عندما تمر بأزمة ... تعطيك الحياة صفعة ... يخذلك صديق ... يجرحك حبيب ... يؤذيك زميل ... يسرقك سارق ... عندها تقف أمام المرآة دامع العينين منكسر الخاطر, تخفي وجهك بين يديك متمتما ((الناس اتغيرت))
هل تعرف تلك اللحظة؟ هل مررت بها؟ أتعلم...أنا أيضا أعرفها !
ولكن وآه من لكن
تلك الكلمة التي بمفعول السحر تقلب الحقيقة لأسطورة والصواب لخطأ والأرض لسماء!
هل جربت أن تنظر للامر من منظور آخر؟؟؟
عندما تقف أمام المرآة لم تسرع بتقليد أبطال الأفلام فتدمع وتقول بصوت مهزوم "كضحية" الناس اتغيرت
لماذا لا تنتظر قليلا لتفكر ((وكفاية شغل حافظ مش فاهم ده))؟
هل حقا تغير الناس؟
كلهم؟
وماذا عنك أنت؟
أبقيت كما ولدتك أمك؟
انتظر لا تتسرع وافهمني
فأنا لست هنا أقول لك أنك تغيرت مثلهم وأن الزمن تغير وان وأن وأن ..........إلخ
بل اقول لك أن نظرتك هي التي تغيرت
أنت كنت بالأمس ابن عشر سنين
عرفت فلانا وفلانا وفلان
عرفت صديقا وأخا وأبا ومعلما وزميلا
اليوم انت ابن العشرين عام
اما تزال نظرتك كما هي؟؟؟
بالأمس كنت تنظر لصديقك ذاك وتحبه بجنون
اليوم باعد الزمن بينكما لأنه لم يكن كما توقعت
فهل....................
هو تغير أم نظرتك تغيرت وصارت أكثر دقة ونضوجا؟؟؟
كنتما بالأمس تلعبان بلا هموم وكانت متطلبات صداقتكما بسيطة صغيرة
اليوم صرتما أكثر تعقيدا
فها هذا يعني أنه تغير أم نظرتك نضجت؟
أم نظرتكما معا نضجت؟!!!
عرفت جاركم فلان في صغرك وكنت تحبه وعائلته كثيرا
الرجل كبير منذ صغرك ولم تشك قط في أنه كبر يوما واحدا
أنت كبرت وعندها اكتشفت انه ليس كما ظننت
هل هو تغير؟
أم نظرتك وتقييمك للامور تغيرا ؟؟؟
أنت تشعر بالدوار من تلك الحلقات المتداخلة في بعضها مثلي
أليس كذلك؟
لا بأس الأمر بسيط
فقط كل ماعليك هو ان تستخدم عقلك
لا تلقي بالخطأ دوما على غيرك
ولا تعلق فشلك على شماعة "الناس اتغيرت" فهم لم يتغيروا بهذا القدر كما تظن أنت
ولكنك أنت نضجت بنظرتك للحياة


بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
22/8/2012


القمر





الهدوء يعم المكان والنداء اقوى منها,انها لا تستطيع مقاومته, ان دقات قلبها تتزايد في شدة كلما اقترب الموعد, لا تستطيع, حتما لا تستطيع, تسللت في خفة وفتحت نافذة غرفتها وانسابت منها كحلم جميل يخدر افكارك ويبعث نشوة لذيذة في خيالك,سارت بخفة ورشاقة على العشب وكأنها فراشة تطير تكاد من رقتها تسير على العشب فلا تثني عودا واحدا منه, وصلت الى شاطئ البحيرة وبحثت حولها فلم تجده,جلست تنتظره بجوار جذع شجرة عجوز كانت هناك منذ فجر التاريخ تنشر عطرها وعبيرها في الارجاء تتخذ الطيور من غصونها ملجأ تبني عليه اعشاشها والحيوانات من ظلها ملاذا من اشعة الشمس ويالطيب ثمارها حين تشبع جوع عابر سبيل, طارت الفراشات من حولها ومالت الازهار باتجاهها ولكنها شعرت برجفة تسري في اوصالها فاحتضنت دميتها الصغيرة بشدة ونظرت الى السماء تترجى تلك السحابة السوداء ان تبتعد وتختفي, اسندت رأسها الجميل الى الشجرة وتسلل النعاس الى جفنيها فلم تقاوم لذته واغمضت عينيها, لا تذكر كم مضى من الوقت وهي مستسلمة للنوم ولكنها تذكر انها استيقظت حين شعرت به يداعب وجهها في حنان لتفتح عينيها الناعستين وتنظر اليه فتتألق عيناها فرحا ولكنها تعاتبه ببراءة طفلة وتسأله في حزن:لم تأخرت ايها القمر؟
يرد عليها: اسف يا صغرتي لم يكن بيدي
فتبادره في احتجاج يكذبه شعاع السرور في عينيها ودقات الطرب في قلبها: ولكنني انتظرتك طويلا
يبتسم في حنان:وهاقد اتيت يا سندريلا
لم تتمالك نفسها وابتسمت في براءة, كم تحب ان يناديها بسندريلا, كم تحب القمر, انه صديقها الوحيد ومنقذها من وحدتها ومؤنس وحشتها, لكم افضت له باسرار واسرار بالتأكيد هي تذكر يوم سرقت العسل من اناءه الذي خبأته والدتها فأتت مسرعة الى القمر تعترف له بجريمتها وترجوه في الحاح الا يخبر والديها ووعدته بأنها لن تفعل ذلك ثانية, لقد كان حنونا وصديقا وفيا اثبت ذلك بمرور الايام فهو لم يعدها يوما بأنه سيأتي الا ولم يخلف وعده....يتأخر!!ولكنه في النهاية يأتي, تذكرت يوم اتته باكية فزعة وقد شعرت ان السماء انطبقت على الارض وتحولت البحار الى دماء وانفجرت النجوم وانطفأ بريقها ليسألها جزعا:ماذا اصابك يا حبيبتي؟
فتقول من بين دموعها:ابي....ابي....لقد مات ابييييييييييي
قال لها: كيف؟
قالت بصوت اعياه البكاء:الدبابات.....الجنود.....ضربوه.....مات ابيييييييييييييي..............

قاطع القمر سيل ذكرياتها في اهتمام:لم ار الدموع تترقرق في عيني الاميرة الصغيرة؟
رفعت اليه عينين اختلطت فيهما براءة الطفولة بكهولة الشيوخ, اجتمعت فيهما نظرة طفلة ترى العالم بلون وردي جميل ونظرة الم من عاش خبرة مئات السنين, لم تنبس ببنت شفة ولكن عينيها افصحتا بلغة ابلغ من كل الكلمات عما يجول في خاطرها, فتألق القمر اكثر ليحيطها بأشعته وضيائه وكأنه يحتويها ويبثها الدفء والامان ويعوضها عن حنان الاب الذي فقدته
قالت له بمرارة:متى يذهبون؟ انا لا احبهم...... لا اريدهم...... لقد اخذوا ابي مني
القمر: سيذهبون في يوم من الايام سيذهبون,عليكي بالصبر,كوني عند حسن ظن والدك بك ليكون فخورا بك
هي من بين دموعها:وهل يراني؟هل هو موجود؟
ابتسم القمر في ثقة واطلق شعاعه الى احدى النجمات المضيئات وقال لها:كل واحد من البشر يعيش حياته على الارض يسعى فيها يخطئ ويصيب ويفعل الحسنات ويرتكب الذنوب وعندما يموت ويختفي من الارض يظهر نجمه في السماء, نجم يراقب من يحبهم ويقف بجانبهم وقت ضيقهم يساعدهم وينير لهم طريقهم ويحذرهم من الوقوع في نفس خطاياهم ويعطونهم الامل في غد افضل
جميعهم هنا...بجواري يؤنسونني.............
طرااااااااااااااخ.....راتاتاتاتاتاتاتاااااااااااااااا
اشتعل المنزل.......تطاير الرصاص
اختلط عبير الازهار ونسيم الليل برائحة البارود
تعالت صرخات الفزع والالم
ارتجفت الصغيرة واخذت في البكاء فزعا
وانطلقت منها صرخة جزع باسم والدتها واخذت تعدو نحو بيتها, حاول القمر منعها, حاول حمايتها, ولكن الرصاص كان اسرع من صوته
اخترق جسد الطفلة البريئة
واصطبغ الليل بلون الدم ولاول مرة على مر العصور بكى القمر دموعا بيضاء كاللؤلؤ سقطت على الجسد البرئ تغسله وترفعه الى السماء وهو يقول: لا تخافي لقد صرتي في في امان...تعالي معي....الى جانبي
وظهر نجم صغير متألق في السماء اختلط بياضه بحمرة الدم
والى يومنا هذا يتساءل الناس كلما نظروا الى السماء في منتصف الشهر عن سبب احمرار ذلك النجم بجوار القمر وسبب تألق القمر بأشعة لؤلؤية وكأنه....................

يبكي!!!!!!

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))



الأحد، 11 نوفمبر 2012

لقطة وفاء


"كان لي كلب جميل اذكر أني وجدته جروا صغيرا ضعيفا مرتجفا, بللته مياه الامطار الغزيرة ذلك اليوم وضاع نباحه الضعيف امام زئير الطبيعة, خبأته في ثنايا ثيابي أبعث في جسده الصغير بعض الدفء وعدت به إلى البيت, جففته ودثرته في الاغطية وحاولت إطعامه لكن المسكين كان خائفا ونباحه المستغيث جمع أفراد البيت من حولي, اذكر شهقة والدتي المستنكرة وأمرها لي بأن أخرج كتلة ((الشعر والجراثيم)) تلك حالا من البيت, ولأول مرة في حياتي أشعر بمسئولية قوية تجاه هذا المخلوق الضعيف, حملته بين ذراعي أضمه بقوة لصدري وقد زاد ارتجافه أقول لهم أنه لوخرج من هذا البيت فسأخرج معه في هذا الجو العاصف وليحدث مايحدث ومنذ هذه اللحظة هو جزء من العائلة وسأتحمل أنا مسئوليته كاملة, لم تهد تلك الليلة أو نذق طعما للراحة فبالخارج عواصف المطر والرياح وبالداخل عواصف شجار أمي تارة معي وتارة مع ابي الذي أعجب بتحملي للمسئولية وأشفق مثلي على الجرو, أبعدته عن أمي وأخذته إلى غرفتي, صنعت له فراشا صغيرا من الأغطية التي ستقتلني أمي عندما تراه متدثرا بها وأنا أطمئنه انه بأمان وكأنه فهم ما أهمس له به فهدأ ارتجاف جسده وقنع بما أقدمه له من طعام لينام بملائكية بعدها, ومنذ ذلك الحين وصار جزءا من حياتي وعائلتي, كبر الجرو الصغير وكبرت أنا لأصير رجلا تشغلني الحياة , تزوجت فكادت زوجتي تهدم حياتنا كلها من أجل كتلة ((الشعر والجراثيم)) فتركته لعائلتي بعيدا عن زوجتي وبسبب سفري لم أعد أراه كثيرا ولم يؤثر ذلك فيّ أنا الإنسان الجاحد لتلك العلاقة الراقية التي نشأت بيننا كما تأثر هو, أنجبت أطفالا منعتني زوجتي من أخذهم لعائلتي لأنهم يخافون من الكلاب وخوفها عليهم من المرض فاضطروا لحبسه وحده كلما ذهبت إليهم حتى علمت ذات يوم أنه هرب ولم يعد له أثر, حزنت قليلا ولكن ماهي إلا ساعات حتى نسيت الأمر برمته وعدت إلى حياتي لا أحصي ساعات الزمن التي تحصدها العقارب بلا رحمة, رحل والداي وتفرق إخوتي كل انشغل بحياته, انفصلت عني زوجتي وأولادي أراهم من حين إلى آخر ثم تزوجوا وابتعدوا ولم يعد يجمعنا سوا مكالمات فاترة أو زيارات قصيرة في المناسبات البعيدة, شعرت بالحياة تنتهي وبالفراغ يملأ جنبات نفسي وبيتي الذي خلا إلا مني, استسلمت أنتظر مصيري وأرقب الموت الحتمي آت إلي من بعيد, فتحت الباب ألتقط جريدة الصباح لأجده جاثما على الأرض بجوار الباب, كبر سنه وخارت قواه, هل تشيب الكلاب؟ فقد خيل إلي أن فروه شاب كما شاب شعر رأسي وحكى نباحه البطئ العجوز آثار الزمن, عاد إلي ثانية بحب ووفاء بعد مافعلت به, احتضنته كما فعلت في صغري يوم عرفته جروا فقابلني بنباح ودود وهو يتشمم يدي وثيابي وكأنه يتأكد من أني أنا حقا وبعد أن قطع الشك باليقين عاد يعانقني ثانية بشوق لربما أكبر من شوقي إليه.........."

وضع الورقة والقلم بجواره وأخذ يسعل بقوة, اقترب منه الكلب يهمهم في حزن فربت على رأسه بحنان وأغمض عينيه وماهي إلا دقائق حتى تعالى عواء الكلب العجوز الحزين, عواء شق سكون الليل وكاد يبكي القمر, بدأ قويا مجلجلا سكن له الكون احتراما وأخذ يخفت ويخفت مع إشراقة يوم جديد حتى صمت.........للأبد.

بقلم: غفران حبيب((دوشة كبيرة))
10/11/2012


السبت، 10 نوفمبر 2012

كان طفلا عشق الوطن










"ما الوطن يا جدي؟"

نطق (محمود) الصغير بهذه الكلمات وهو يتسلق ساقي جده ويجلس على ركبتيه وأخذ يرنو إليه بتساؤل, قالت له والدته:

"لا تزعج جدك يا (محمود)"

لكن الجد احتضن حفيده ضاحكا

"أتريد ان تعرف ما الوطن؟"

طالعته عينا حفيده المتسعتين في لهفة فحمله على كتفه واتجه به الى النافذة وفتحها قائلا:

"هذا هو الوطن"

نظر الى (محمود) فوجد على وجهه علامات اعتراض واستنكار طفولية وقد قطب جبينه الصغير فقهقه الجد ضاحكا وأشار إلى السماء قائلا:

"الوطن هو تلك السماء التي تربيت تحت دفء شمسها والتي تسهر في الليالي المقمرة تعد نجومها وتناجي قمرها, هو تلك الارض التي نشأت عليها وأكلت من خيرها وشربت من مائها, هو ذلك المكان الذي فتحت عينيك لاول مرة لتجد نفسك في احضانه, المكان الذي لعبت فيه اول مرة وقابلت فيه اصدقائك, الذي تشاجرت فيه وتصالحت, ركضت فيه وضحكت, المكان الذي قطفت منه اول زهرة, أطعمت فيه اول عصفور, ركلت فيه اول كرة, المكان الذي كبرت فيه ثم وقفت بجانب احد اصدقائك على العشب الندي بدون حذاء لتتنافسا من فيكما اطول من الاخر, الذي تعلمت فيه اول دروسك والذي تمرغت فيه متعاركا مع صديقك على التراب تتشاجران علة فتاة لا تعرف شيئا عن اي منكما"

تنحنح الاب معترضا فالتفت اليه الجد مبتسما

" دع الفتى يتعلم يابني فسيمر بعد سنين قليلة بما اقول"

قال الاب:

"لكنه مايزال صغيرا"

وضع (محمود) كفيه الصغيرين على وجنتي جده يجذب انتباهه قائلا في افتتان:

"اكمل ياجدي"

أكمل الجد:

"المكان الذي ستحب فيه اول مرة ثم ستعمل فيه وتعتمد على نفسك, الذي تستنشق هواءه وتنام آمنا في احضانه وتتزوج وتنجب اطفالا يحبون هذا الوطن كما احببته انت"

قال (محمود) بصوت فرح مسرور:

"احب وطني كثيرا"

ضحك الجد والاب والام, انزل الجد حفيده فانطلق الى غرفته وهو يقول:

"سوف ارسم وطني الحبيب"

دخل غرفته وأخذ يخرج فرشه وألوانه وارتدى رداء الرسم ثم وقف امام قماشة بيضاء مشدودة, لكم يحب الرسم! والان سيرسم وطنه الجميل, أخذ يخلط الالوان ببعضها في عشوائية حتى يظهر لون يعجبه, يغمس فيه فرشاته ويضرب ضربات متتالية بالفرشاة على القماش, رسم ارضا غنية وسماء صافية زرقاء, شمسا ضاحكة وقمرا حالما, شجرة واحاطها ببستان, خط طيرا وجسد حجرا, رسم طفلا, رسم شيخا, لون كرة, أضاء نجما, كون مدرسة, اوجد معلمة, نظر الى الصورة قليلا, مسح جبينه فتلطخ بالالوان, قال بصدق:

"أحبك ياوطني"

ألقى الفرشاة وغمس اصابعه في الالوان وأخذ يطبعها في الصورة, خطوط متتالية من الالوان وخرج للوجود قوس قزح زاهي, شعر بيد على كتفه, التفت ينظر اليه فرأى رجلا كبيرا متهالكا هزل جسده وشحب وجهه وبح صوته, نظر بعينين ذابلتين الى (محمود) لكن الطفل الصغير ميز الحنان والحب اللذان يسيلان من تلك العينين فأخذ يرتوي منهما في نهم, قال له ببراءة:

"انظر ماذا رسمت!"

سأله الرجل:

"وماذا رسمت؟"

نفخ صدره الصغير في فخر

"انه وطني"

لمع الحزن في عيني الرجل وقال:

"بل أنا وطنك"

احتج الطفل قائلا:

"بل هذا هو"

مشيرا الى اللوحة فاقترب الرجل من اللوحة ومسح عليها بأصابعه

"بل هو هذا!"

صرخ (محمود) عندما رأى السماء الرمادية, القمر الباكي, والشمس المختفية, رأى الارض الجدباء, الشجرة الجرداء والزهرة الذابلة, طير مذبوح, حجر مشقوق, طفل تعب وشيخ متهالك, قوس قزح ابيض واسود, حزنا الما فقرا جوعا, بكى (محمود) وبكى, غمس يده في اللون الاحمر ورسم في صميم اللوحة قلبا كبيرا وهو ينتحب

"مازلت احبك ياوطني"

هتف الوطن بصوت خافت

"انقذني ياولدي"

قال (محمود)

"لا تذهب, لاتتركني"

تلاشى الوطن وهو يقول:

"انا في قلبك وانت أملي"

حاول (محمود) انا يتشبث به

"ماذا فعلوا بك؟"

اجاب بصوت باكي:

"ضممتهم الى كنفي وربيتهم في احضاني اطفالا فنسوني وباعوا ترابي ثمنا للهوى"

ورحل الوطن و(محمود) يبكي قهرا وألما

"قتلوا وطني..ضاع وطني"

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

2011


الجمعة، 9 نوفمبر 2012

لأنها أنثى




(1)


"أبي ... أبي"

تهرول إليه متعثرة بساقيها الصغيرتين, تصل إليه فيأخذها بين ذراعيه ويجلسها على ركبته

"ماذا تريدين ياطفلتي؟"

تمد يدها الصغيرة إليه بوردة زهرية اللون

"خذ هذه الهدية"

وتتبسم ببراءة , يحتضنها شاعرا بانه يحتضن الدنيا كلها بين ذراعيه......


~~~~~


(2)


تطرق الباب وتدخل, تنظر إليه قائلة:

"أمي تريدك"

تستدير خارجة ثم تتوقف, تلتفت إليه ثانية

"هل أنت بخير؟!"

يومئ برأسه مبتسما ابتسامة صفراء خذلته, تجلس إلى جواره

"ماذا بك يا أخي؟"

يجيبها بهزة نافية من رأسها أن لا شئ ويدفن وجهه بين يديه, تشد بيدها على كتفه بدون أن تعرف ما ألمّ به

"أنت قوي...أعرف ذلك وأنا بجوارك دوما"

ينظر إليها وقد شعر بيدها تبعث قوة وأملا في جسده.........


~~~~~


(3)


توفي والده واليوم والدته ماذا تبقى له بعد ذلك؟ يشعر بالضياع يشعر بالشتات يدور بلا قرار, أتت وجلست غلى جواره وبلا كلمة جذبته برفق تدفن راسه في صدرها وتخبئه في أحضانها, شعر بالامان وأنه لم يضع بعد, لو كانت والدته أعطته حياته فزوجته أعطته حياتها,سمعها تهمس

"أنا معك ..حبيبي"....................


~~~~~



(4)

سعل بقوة فنهضت إليه منتفضة

"خذ دواءك ياولدي أرجوك"

قال من بين سعاله

"انا بخير يا امي, اذهبي وارتاحي"

تحضر غليه الدواء وقلبها ينفطر لمرآه يتالم, تسقيه بيدها وتسهر جواره طوال الليل تمسح على رأسه بيدها وترفعهما إلى السماء تدعو..........


~~~~~


(5)


"أنا لا أريدها يا أبي...أريد أمي"

تقولها بصوت اختنق بالدموع فيواسيها:

"لا تقولي ذلك إنها زوجتي وتحبك كما أحبتك أمك"

"إنها تضربني"

"كفى يابنتي لا تهولي الامور"

"وتسب امي وتكرهني.....لا أحبهاااااااا"

"قلت كفــــــــــــــــــــــــــــــــى"

تركض باكية إلى غرفتها.....................


~~~~~


(6)


"ولكن......"

وتمنعها الدموع من الاسترسال

يتظاهر بالأسف

"آسف"

تهمس

"لكني أحببتك"

يخفض عينيه أرضا وكأنه يتألم

"آسف لكن مشاعري نحوك كمشاعري لأختي"

ينظر إليها وبلا كلمة اخرى يرحل تاركا إياها باكية.............


~~~~~


(7)


"لقد أحببتك واعتنيت بك وأعطيتك حياتي كلها"

يكرر كلامه في ملل

"وأنا اريد أولادا وأنتي لاتنجبين"

تتشبث بذراعه

"هذا قدري لكني لم أقصر في أي شئ آخر...أبعد كل ماقدمته وفعلته تتزوج بأخرى؟"

يدفعها عنه بخشونة

"لقد حدث وانتهى.....ابتعدي الآن"

وذهب وتركها تتناثر دموعها على أشلاء كرامتها وأيامها الضائعة........


~~~~~


(8)


"إلى أين تأخذني ياولدي؟"

يزمجر في وجهها

"توقفي عن الأسئلة ستعرفين حين نصل"

تصمت وتجلس ساكنة في مقعد السيارة, تسمع ابنها وزوجته يتبادلان كمات لا تعنيها في شئ, إلى أن توقفت السيارة أمام مبنى عليه لافتة كتب فيها

"دار للمسنين"

................................



بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

28/9/2012


مسرحيتي الأخيرة



بدأ المشاهدون بالوفود واحدا تلو الآخر وامتلأت مدرجات المسرح بهم, أسمع أصواتهم..ضحكاتهم..الضوضاء التي يحدثونها, أختلس النظر إليهم من خلف الستائر ثم أعود للممثلين المتوترين في الكواليس..أشجعهم بعبارات حماسية..ويمر الوقت..يستعدون وينفضون عنهم الخوف والقلق, تغلق الأنوار...يفتح الستار...ويهدأ الجمهور, شعاع ضوء يضئ بقعة على المسرح حيث وقف ممثل ثم ثان وثالث ورابع, يؤدون أدوارهم باتقان منقطع النظير..كأنهم خلقوا لهذه الأدوار!...واستمر العرض وجن الجمهور والتهبت الأكف بالتصفيق...ثم حانت النهاية, أسدل الستار وارتفع تصفيق وصفير الجمهور, رفع الستار ثانية وانحنى الممثلون للجمهور...أنحني معهم...والورود تتساقط حولنا كحبات المطر, يسدل الستار ويبدأ الناس بالمغادرة, ينسحب الجمهور ببطء...أصواتهم تبتعد...ضربات أحذيتهم على الأرض تختفي...ضحكاتهم تخبو, تطفأ الأنوار ويخلو المسرح, وهناك...خلف الكواليس...وقفت...وقفت مع ممثلين أنا صنعتهم, خرجوا من داخلي ليقدموا للجمهور عرضا خلابا من مسرحية حياتي...ذهب الجمهور وتركوني معهم وحدي...تركوهم معي وحدي...ليتموا ما بدأوه...يلتفون من حولي...يضيقون الخناق علي...ينتزعون الحياة مني...ويخطون بدمي آخر فصل من مسرحية حياتي.......
"ستار"
*****
بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))
2/4/2012


أحيانا يمر بحياتنا أشخاص طيبون حسنوا النوايا يحاولون مساعدتنا والتخفيف عنا, لكنهم بدون قصد منهم يفتحون بابا من أبواب الماضي بداخلنا ثم يتركوننا وحدنا...نواجه مر الذكريات"
ولكن في النهاية
من حقهم أن نرفع لهم القبعة لسمو احساسهم
وانسانيتهم ومحاولتهم التخفيف عنا
شكرا...


الأربعاء، 7 نوفمبر 2012


عالم آخر





في اربعة بيوت مغلقة من بيوت تلك المدينة وبين أربعة جدران جامدة لاتسمع جلس أربعة شباب كل منهم على حدى, فتاتان وصبيان لم يبلغ أحدهم العشرين من عمره بعد, كل منهم جلس وحده يحدق في لاشئ بعينين خاويتين وبالرغم من ذلك تحكيان مرارة السنين, بدو من عالم آخر غير عالمنا, ولكنهم مثلنا من لحم ودم, عظام وقلب تكاد خفقاته لا تلاحظ, آباؤهم وأمهاتهم تتمزق قلوبهم حسرة ومرارة على فلذات أكبادهم يجلسان طوال الليل تبكي الام ويواسي الاب ليهبا معا راكضين عندما تتناهى إلى مسامعهما صرخة بائسة من صوت ضعيف برتجف كصوت غريق يتمسك بالحياة ويستمر الصراخ رغم محاولات الأبوين اليائسة لتهدئته/تهدئتها, أربعة بيوت لم تذق طعم النوم منذ زمن, انفصلت وابتعدت لكنها اجتمعت واشتملت على هم حملته على عاتقها بأربعة شباب ماتت فيهم الحياة,اثنان اصيبا بصدمة نفسية عنيفة كادت تودي بعقليهما فصاما عن الكلام , والآخران نالا من الصدمة النفسية اعنف لما حصلا عليه من صدمات بدنية ترويها تلك الخدوش والجراح وكدمات وحتى كسور في جسد كل منهما, منهما صبي لم تؤلمه جروحه كما آلمته جروح الفتاة التي ذهبت نفسها حسرات ما أصاب جسدها الجميل من تعذيب وضرب دام لساعات وساعات, كل يوم يعيد الشريط نفسه في ذاكرة كل منهم, يعود بهم إلى اليوم الذي تغير فيه مجرى الحياة, عندما وجدوا انفسهم مختطفين ومحتجزين في الظلام...صديقان...وصديقتان...اثنان...غريبان عن الآخران...جمع الخوف والألم بين قلوب أربعتهم, مجانين مبتزون اختطفوهم للاشئ سوى المال ورغبة مريضة بإرهاب قطط صغيرة, حاول مقاومتهم فكادوا يفتكون به, بيأس حاولت الدفاع عنه فتركوه وانتشلوها من أحضانه..........أعادوها إليه بعد أربع أو خمس ساعات كومة من الدماء والعظام, تسيل الدماء من جسدها وتحكي كل عظمة قصة تكسرها, انبثقت الدموع من عينيه تغسل وجهها بلا حول له ولا قوة ويدها الضعيفة تمسح دموعه فتترك مكانها أثرا بدمائها, حضر المجرمون ثانية يتشفون ويسخرون من ألمهم وخوفهم فحاول الانتقام لها فانتشلوه غصبا من جوارها, والاثنان الآخران انكمشا على بعضهما في أحد الأركان يشاهدان ماحل برفيقيهما ويرتجفان بخوف, أخذوه أمامهما وسمعا صراخها العاجز تهتف باسمه وبقوة لم يدريا مصدرها نهضت إلى الباب وكادت تكسره بقبضتيها أو تكسر قبضتيها بالباب حتى دخل الحارس.....يقسمان أنها كسرت رقبته بيديها العاريتين, ركضت إلى الغرفة التي قضت فيها ليلة امس بين ضرب وتعذيب فوجدتهم حوله وهو ملقى ارضا, ألقت بنفسها فوقه لعلها تقيه بجسدها الضئيل.....يذكرون بعدها ضرب...دماء...اقتحام الشرطة..................وعادوا إلى بيوتهم...ولكن لم يعودوا أبدا كما كانوا, عادوا أجسادا بالية وارواحا مهترئة, أعمارا تناهز اضعاف اعمارهم, يستيقظ كل منهم ليلا صارخا باسم صاحبه, تناوب عليهم الاطباء النفسيون وأجمعوا جميعا على أنهم صاروا في عالم آخر غير عالمنا, عالم خلقته أربعة ليال من خوف وتعذيب بأيدي مجانين, عالم فتح أبوابه ليدخل فيه أربعتهم وأغلق عليهم, عالم لن يعودوا منه أبدا, عالم صنع بينهم رابطا لن يكسره سوى الموت, فدعوهم....وحدهم.....معا.....لعالمهم!



بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

25/9/2012



الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

طعم الدم


من منا لم يجرب أحلام البطولة؟ جميعنا جربناها وحلمنا بها, عندما تجد من تحب أو عائلتك أو حتى غرباء عنك في خطر كبير وأنت تتحلى بأعصاب حديدية وقوة خيالية لتنقذهم ولكننا لا ندري أن الأحلام شئ والمكوث أمام الأمر الواقع شئ آخر ربما لأننا لم نجرب مواجهة الواقع حقا, هي مثلنا جميعا لم يتوقف عقلها قط عن البحث عن تلك الأحلام لتنتشي روحها بطعم البطولة وتغذي قلبها بغرور وشجاعة لم يكونا لها يوما,علمت ذلك بعد فوات الأوان.....للأسف لاندري لماذا تكون معرفة الحقيقة دوما بعد فوات الأوان, لا نعرف براءة المتهم إلا بعد أن تلتهم المقصلة عنقه مبعثرة دماءه ويخيل إلينا أن عينيه تنظران إلينا في اتهام, ذلك اليوم كانت مع والدتها, لا تذكر اليوم ولا حتى الوقت لربما كان فجرا او عصرا قبل الغروب, الشمس لا أثر لحرارتها ولكن بقايا نورها او بدايته تسربل عباءة الكون بالألوان الباهتة, ماذا حدث؟ لا تدري حقا فقط هي تذكر اثنين اقتحما البيت لا تدري لهم أي دين أو ملة أو حتى حق في أن يحدث ماحدث, أحدهما كان يشبه الشيطان, هي لم تر شيطانا قط ولكن بالتأكيد لو رأته فلن يكون أبشع من هاتين العينين السوداوين اللتين شعرت للحظة باختفاء بياضهما, الابتسامة الشياطنية التي لا تفارق كوابيسها, هل رأت له نابين صغيرين؟! جلد جبهته منبعج وكأن وجهه لا يتسع لكل هذا الجلد فانبعج كطبقات فوق حاجبين كثين ارتفعا فوق العينين المقيتتين ,لم تر وجه الآخر, فقط تذكر محاولة ذاك الشيطان الإمساك بها وهي تفلت من يديه, هل كانت له مخالب؟! الآخر أسر والدتها, نظرت إليها في فزع ونسيت كل أحلام بطولتها,ببساطة تخلت عنها حين قالت لها ولاتدري كيف قالتها أنها ستنجو بنفسها, تذكر بألم أن الأم المسكينة برغم أسرها ووقوفها على حافة الموت حثت ابنتها على النجاة بنفسها وتركها, رأت انعكاس الموت البارد القاتم في العينين الشيطانيتين, أطلقت ساقيها للريح عندما سمعت صوت أعيرة نارية خلفها, لم تلتف للوراء وقد أيقنت بيتمها, لكن الشيطان لم يتركها فاخترق رصاص ناري ظهرها وأظلمت الدنيا أمام عينيها..........

فتحت عينيها ببطء ترفع رأسها إلى سماء مظلمة غاب فيها القمر, تحاملت ونهضت وسط السكون الصاخب, لم تعد للوراء بل تابعت حتى وصلت لأي بيت تعرفه وعلى أعتاب الباب أظلمت الدنيا ثانية..........

بعد نوم طال وصحوة تمنت أنها لم تأتِ قط ووقت لم تدرِ كيف مر كادت الدماء تسيل من عينيها بعد نفاد الدموع, ترثى يتمها الذي شهدت بعينيها جزءأ منه, تذكر أنانيتها وهي ترى آخر بريق حياة في عيني والدتها وتخبرها بأنها ستتركها وتنجو بنفسها فيتمزق قلبها
أين هي من أحلام البطولة؟ ياليتها ظلت هناك لتلقى حتفها, لِمَ لَمْ تفكر وقتها؟ لم دفعها النضال إلى حب البقاء للنجاة بنفسها؟

بقلم:غفران حبيب ((دوشة كبيرة))

7/11/2012